"اختاري أنتِ".. "كما تريدين".. "لا يهم، من الممكن أن نذهب إلى أي مكان يناسبك". قد تبدو هذه العبارات دليلا على شريك متفاهم لا يحب فرض رأيه، ويترك للطرف الآخر مساحة للاختيار. لكن معناها قد يتغير مع الوقت، خصوصا عندما تصبح الإجابة المعتادة على كل قرار، كبيرا كان أم صغيرا، هي ترك الاختيار للطرف الآخر.

في البداية، قد لا يبدو الأمر مشكلة. لكن مع تكراره، يجد أحد الشريكين نفسه مسؤولا عن اقتراح الخطط، واتخاذ القرارات، وتذكر التفاصيل ومتابعة ما ينبغي إنجازه، بينما يكتفي الطرف الآخر بالموافقة أو تنفيذ ما يطلب منه. وهنا يظهر سؤال مختلف: هل هذه مرونة حقيقية، أم أن أحد الطرفين انسحب بهدوء من المشاركة؟

أخبار مقترحة

  • مسلسل طالع نازل @لقطة شاشة من المسلسل
    الأزواج في العمل.. شراكة تعزز الحب أم منافسة تهدده؟
  • الحب وحده لا يكفي.. صفات لا يفضلها الرجل في شريكة الحياة

نظرية الكيس البلاستيكي.. من أين جاءت التسمية؟

"نظرية الكيس البلاستيكي" ليست نظرية نفسية معتمدة، بل هي استعارة ساخرة انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي لوصف شريك يبدو بلا اتجاه واضح، ويتحرك وفقا لما يقرره الطرف الآخر.

ويرتبط تداول المصطلح بمدرب العلاقات أليساندرو فروسالي، الذي استخدم صورة الكيس البلاستيكي في مقطع على إنستغرام لتشبيه الشخص الذي لا يبادر ولا يحدد ما يريده، بل يترك الآخرين يختارون عنه .

وتكمن دلالة التشبيه في أن الكيس لا يحدد وجهته بنفسه، بل تحركه الرياح أو تدفعه الأشياء من حوله. وبالمثل، لا يقدم هذا الشريك اقتراحا أو موقفا واضحا، وإنما ينتظر أن يحدد الطرف الآخر ما سيحدث.

ورغم طرافة التسمية، فإنها تفتح نقاشا جديا حول المبادرة وتوزيع المسؤولية داخل العلاقة. فالمشكلة ليست في الهدوء أو المرونة، بل في تحولهما إلى غياب مستمر عن القرارات والحياة المشتركة.

حين تتحول المرونة إلى غياب للمبادرة

هناك فرق بين أن تترك لشريكك مساحة للاختيار، وبين أن تترك له مهمة الاختيار في كل مرة.

فحين يقول أحدهما "أي مكان يناسبك" مرة، قد يكون ذلك تعبيرا عن الاهتمام برغبة الآخر. أما إذا تكررت الإجابة عند التخطيط لعطلة نهاية الأسبوع أو اختيار مطعم أو تحديد موعد للخروج، فقد يصبح الطرف نفسه مسؤولا عن تحريك العلاقة باستمرار.

تخيل أنكما تريدان قضاء يوم معا. ينتظر أحدكما اقتراحا من الآخر، لكنه لا يأتي. فيبدأ الأول بالبحث عن الأماكن والتأكد من المواعيد، ثم يسأله عن رأيه، فيجيب: "جميعها جيدة، اختر ما يعجبك". ظاهريا، شارك الطرف الآخر في القرار بالموافقة، لكنه لم يشارك في الوصول إليه.

ولا يعني ذلك أن كل شخص مطالب بتقديم اقتراح في كل مناسبة، أو أن اختلاف الطباع دليل على مشكلة. فبعض الأشخاص أقل ميلا إلى التخطيط، لكن الفارق يظهر في النمط المتكرر: هل يبادر أحيانا ويعبر عن رغباته، أم ينتظر دائما أن يبدأ الطرف الآخر؟

وفي حديثها إلى موقع "فايس" (Vice)، توضح الدكتورة ديبورا بلوم، عالمة النفس والمعالجة الزوجية، أن هذا النمط قد يبدو في ظاهره هدوءا ومسايرة، لكنه قد يعكس افتقارا إلى إحساس واضح بالهوية المستقلة والانخراط الحقيقي في العلاقة.

فما يبدو في البداية علامة على الأمان مع الشريك، قد يتضح لاحقا أنه نوع من التداخل المفرط بين الطرفين، يصاحبه ضعف القدرة على الحضور والمشاركة.

"قولي لي ماذا أفعل".. العبء الذي لا يظهر

قد تبدو عبارة "قولي لي ماذا أفعل وسأفعله" دليلا على الاستعداد للمساعدة، لكنها تطرح سؤالا أهم: من المسؤول عن ملاحظة أن هناك شيئا ينبغي فعله من الأساس؟

فثمة فرق بين أن تطلبي من شريكك شراء مستلزمات المنزل، وبين أن يلاحظ بنفسه ما ينقص ويتولى التخطيط للمشتريات وإحضارها. في الحالة الأولى، ينفذ ما تطلبينه، لكنه يترك لك مسؤولية اكتشاف الحاجة والتفكير في كيفية تلبيتها. أما في الثانية، فيبادر ويتحمل المهمة كاملة.

ويعرف هذا الجانب غير المرئي من العمل اليومي باسم "العبء الذهني"، ويشمل تذكر احتياجات الأسرة والتزاماتها، وتنظيم شؤونها، والتفكير فيما ينبغي إنجازه ومتابعته. وقد لا تظهر هذه المسؤوليات في قائمة الأعمال المنزلية، لكنها تستهلك وقتا وانتباها وجهدا مستمرا.

ولهذا قد يبدو توزيع المهام عادلا على الورق، بينما يظل العبء الأكبر واقعا على شخص واحد. فالشريك الذي ينفذ المهمة بعد تذكيره لا يتحمل بالضرورة مسؤولية من يلاحظ ويخطط ويتابع من البداية إلى النهاية.

كيف تعرفين أنك في علاقة مع "كيس بلاستيكي"؟

لا تكفي إجابة عابرة من نوع "كما تريدين" للحكم على طبيعة العلاقة، لكن تكرار بعض التصرفات قد يكشف عن نمط يستحق الانتباه.

  • ضعف الإحساس بالذات: قد لا تكون لدى الشريك اهتمامات أو تفضيلات واضحة، ويترك للطرف الآخر تحديد ما يفعله الاثنان معا.
  • غياب الرأي والمبادرة في القرارات المهمة: لا يقتصر الأمر على اختيار المطعم أو وجهة العطلة، بل قد يمتد إلى الحديث عن المستقبل أو المال أو شؤون الأسرة. فلا يطرح الشريك تصورا خاصا به، ويكتفي غالبا بالموافقة على اقتراحات الطرف الآخر. وهنا يصبح السؤال: هل يستطيع أن يختلف معك ويعبر عن رغبة مغايرة، أم أن موافقته الدائمة تحل محل مشاركته؟
  • ترك مسؤولية تحريك العلاقة للطرف الآخر: يتولى أحدهما بدء الحوارات المهمة، والتخطيط للمناسبات، وتذكر الالتزامات ومتابعتها، بينما ينتظر الآخر أن يطلب منه ما ينبغي فعله. ولا تكمن المشكلة في مهمة بعينها، بل في أن يصبح شخص واحد مسؤولا عن إبقاء الحياة المشتركة دائرة.

كيف تتعاملين مع شريك يترك لك كل القرارات؟

ليس الهدف أن يتحول الشريك إلى شخص يبادر في كل التفاصيل، بل أن يشعر الطرفان بأنهما مسؤولان عن العلاقة بالقدر نفسه. وإذا شعر احدهم انه يتحمل معظم التخطيط والقرارات، فقد يكون من المفيد البدء بمصارحة هادئة، من دون تحويل الأمر إلى اتهام.

بدلا من قول "أنت لا تفعل شيئا"، يمكنك التعبير عن المشكلة بصورة محددة: "أشعر أنني أتولى معظم التخطيط، وأحتاج إلى أن نتقاسم هذه المسؤولية". فالتعبير عن أثر السلوك أكثر فائدة من إطلاق أحكام عامة على الشريك.

ومن المهم أيضا توزيع المسؤولية كاملة، لا مجرد تكليف الطرف الآخر بمهمة منفصلة. فبدلا من أن تطلبي منه حجز المطعم بعد أن تختاريه وتحددي موعده، يمكنك ترك تنظيم الخروج له من البداية، بما يشمل البحث والاختيار والحجز. وعندما يتولى المهمة بطريقة مختلفة عن طريقتك، امنحيه مساحة لإتمامها ما دامت النتيجة مناسبة.

وفي المقابل، لا تفترضي أن كل إجابة من نوع "لا يهمني" تعني بالضرورة عدم الاهتمام. فقد يكون الشريك معتادا على تجنب الخلاف، أو لا يعرف كيف يعبر عن رغباته. لذلك من المفيد سؤاله عما يفضله بالفعل، وتشجيعه على إبداء رأيه حتى عندما يختلف معك.

العلاقة التي يقول فيها الشريك "كما تريدين" في كل مرة ليست بالضرورة علاقة مريحة. فالراحة الحقيقية أن لا يشعر أحدهما بأنه مضطر إلى التفكير والتخطيط نيابة عن شخصين. وقد تكون العبارة لطيفة حين تقال أحيانا، لكن من الجيد أن يسمع الطرفان أيضا: "فكرت في الأمر، ما رأيك أن نفعل كذا؟". فهذه المبادرة الصغيرة تعني أن كليهما حاضر في العلاقة، لا أن أحدهما يحدد الطريق والآخر يكتفي باتباعه.