لم تعد التهديدات التي تواجه الأمن الأوروبي مرتبطة بالضرورة بتحركات عسكرية أو مواجهات مباشرة، بعدما كشفت سلسلة من الوقائع المتزامنة عن اتساع نطاق أساليب الضغط التي تستهدف المجتمعات من الداخل، عبر تعطيل المرافق الحيوية وإثارة الذعر وتقويض الشعور بالأمان.
فمن تهديدات القنابل التي استهدفت عشرات الرحلات الجوية والمؤسسات الإعلامية، إلى الهجمات السيبرانية التي طالت أنظمة التبريد في المتاجر وبنوك الدم، تواجه أوروبا نمطا من التهديدات يضعها أمام معادلة أمنية مختلفة، عنوانها الحرب الهجينة واستهداف البنية التحتية المدنية دون إطلاق رصاصة واحدة.
أخبار مقترحة
وتكتسب هذه التطورات أهميتها ليس فقط من حجم الاضطرابات التي أحدثتها، وإنما من طبيعة الأهداف التي اختيرت لاستهدافها. فبحسب تحليل نشرته مجلة "تايم" الأمريكية، فإن التأثير المحتمل لهذه التهديدات يتجاوز الأضرار المباشرة، ليصل إلى إرباك أنظمة معقدة ومترابطة، وإثارة الخوف لدى ملايين الأشخاص، وفرض أعباء تشغيلية ومالية على مؤسسات تعتمد على استمرارية العمل والثقة العامة.
صراعات المنطقة الرمادية
وتكشف الوقائع عن نموذج لافت لهذا التحول؛ إذ بدأت في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني موجة بلاغات كاذبة بوجود قنابل استهدفت عشرات الرحلات الجوية في دول أوروبية، وأجبرت بعضها على تغيير مساراتها أو الهبوط اضطراريا، قبل أن تمتد التهديدات إلى مؤسسات إعلامية مثل "سكاي نيوز" البريطانية وهيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية.
ورغم ثبوت زيف التهديدات، فإنها نجحت في فرض إجراءات أمنية مكلفة وتعطيل حركة السفر وإخلاء منشآت مدنية.
لكن السؤال الأهم هنا ليس ما إذا كانت تلك التهديدات حقيقية، بل ما إذا كان نجاحها في إحداث الاضطراب يمثل بحد ذاته الهدف من ورائها.
وهذا تحديدا ما يلفت إليه خبراء تحدثوا إلى "تايم"، إذ تشير إليزابيث براو، الباحثة في المجلس الأطلسي، إلى أن هذا النوع من التهديدات يمكن فهمه في إطار صراعات "المنطقة الرمادية"، التي تقع بين الحرب والسلام، والتي تهدف إلى إلحاق الضرر بالخصم دون دفعه إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وتتضح أبعاد هذه الإستراتيجية بصورة أكبر عند وضع التهديدات الجوية إلى جانب الهجمات السيبرانية التي استهدفت أنظمة التبريد في متاجر أوروبية وبنوك الدم في فرنسا.
ففي الحالتين، لا يكون الهدف بالضرورة تدمير المنشأة المستهدفة، وإنما استغلال اعتماد المجتمعات الحديثة على منظومات شديدة الترابط، بحيث يؤدي اختراق نقطة واحدة إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي مقال رأي بصحيفة "غارديان" البريطانية، ترى الكاتبة إليزابيث براو أن الهجمات على أنظمة التبريد تكشف عن ثغرة جديدة في البنية التحتية الرقمية، تتمثل في تحويل تجهيزات تبدو اعتيادية، مثل المجمدات التجارية، إلى نقاط ضعف محتملة بسبب اتصالها بالإنترنت.
وتلفت براو -وهي خبيرة أمنية سويدية- إلى أن بعض المتاجر السويدية لم تكن أنظمة التبريد لديها متصلة بمنظومات الحماية المركزية لشركات التجزئة، الأمر الذي كشف تفاوت مستويات التأمين الرقمي حتى داخل القطاع الواحد.
وتحمل هذه النقطة دلالة إستراتيجية مهمة، فالأمن لم يعد مسألة تتعلق بحماية المنشآت العسكرية أو شبكات الاتصالات الكبرى فقط، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الدول على تأمين تفاصيل الحياة اليومية، من سلاسل الغذاء والتخزين إلى الخدمات الصحية والنقل.
ومن ثم، فإن تعطيل منشأة تجارية أو إثارة الفوضى في مطار قد يتحول إلى وسيلة ضغط واسعة التأثير، دون الحاجة إلى عمليات عسكرية تقليدية.
ووفق مجلة تايم، سعى المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إلى النأي بالحكومة الروسية عن الهجمات السيبرانية، واصفا أي اتهامات في هذا الشأن بأنها "عبثية" و"لا أساس لها".
لا يمكن حتى الآن استبعاد تورط فرد أو مجموعة غير مرتبطة بدولة في إثارة هذه الفوضى.
غموض وغياب الأدلة
غير أن البعد الأكثر تعقيدا في هذه المواجهة يتعلق بصعوبة تحديد المسؤولية. فبحسب "تايم"، أعلنت مجموعات قرصنة مؤيدة لروسيا مسؤوليتها عن بعض الهجمات السيبرانية على المتاجر.
لكن هذه المزاعم لم تتأكد بصورة مستقلة. كما لم تتوافر أدلة قاطعة تربط تهديدات الطائرات والمؤسسات الإعلامية بجهة واحدة.
وفي تصريحه للمجلة الأمريكية، حذر روبرت جوردان، مدير البرامج في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، من التسرع في توجيه الاتهامات، مشيرا إلى احتمال تورط جهات مرتبطة بدول أو مجموعات مستقلة تستغل الثغرات الأمنية لإحداث الفوضى.
وقال جوردان إن تحميل دول معادية مثل روسيا المسؤولية عن هذه التهديدات قد يكون أمرا "مغريا". وأضاف أن هناك بالفعل حالات موثقة وذات مصداقية لمجموعات روسية وإيرانية تقوم بتجنيد أشخاص عبر الإنترنت، باستخدام تطبيقات اتصالات آمنة، لتنفيذ أنشطة مماثلة. لكنه شدد على أن هذه السوابق لا تثبت مسؤولية أي من تلك الجهات عن التهديدات الحالية.
وأشار في الوقت نفسه إلى أنه لا يمكن حتى الآن استبعاد احتمال أن يكون وراء هذه العمليات فرد أو مجموعة لا ترتبط بأي دولة، وتسعى إلى استغلال معايير السلامة المعمول بها في المنطقة من أجل "إثارة الفوضى".
وهنا تظهر إحدى أبرز مزايا الحرب في المنطقة الرمادية بالنسبة إلى الجهات المنفذة، وهي الغموض المحيط بهوية المنفذين ودوافعهم. فغياب الأدلة الحاسمة يصعّب على الحكومات تحديد طبيعة الرد المناسب، ويجعل الفصل بين النشاط الإجرامي والعملية المدعومة من دولة أمرا معقدا.
كما أن استهداف البنية التحتية المدنية يضع الحكومات أمام معضلة الردع والتصعيد؛ إذ إن استخدام القوة العسكرية ردا على عمليات يصعب إثبات مصدرها قد يؤدي إلى مواجهة أوسع لا ترغب فيها.
وتحذر براو في مقالها من هذه المعضلة، مشيرة إلى أن الديمقراطيات لا تستطيع الرد على تهديدات الطيران والبنية المدنية بمنطق المعاملة بالمثل، لكنها في الوقت نفسه لا يمكنها السماح باستمرار هذه العمليات دون ردع فعال.
ومن هذه الزاوية، تطرح المادتان مسألة تتجاوز التحقيق في هوية المنفذين إلى ضرورة إعادة بناء مفهوم الأمن الأوروبي نفسه.
فمقال "غارديان" يدعو إلى تعزيز استعداد المجتمعات للأزمات، مستشهدا بتجارب السويد والولايات المتحدة في نشر إرشادات الاستعداد للطوارئ، في حين تبرز "تايم" أهمية تبادل المعلومات وتعزيز إجراءات الحماية والتنسيق بين المؤسسات المعنية.
وفي المحصلة، لا تكمن خطورة التطورات الأخيرة في عدد الرحلات التي تعرضت للتهديد أو حجم الخسائر الغذائية وحده، بل في أنها تكشف عن قابلية المجتمعات الحديثة للتأثر بعمليات منخفضة التكلفة نسبيا، لكنها واسعة التأثير.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر