نشرت في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بدورية "جيوفيزيكال ريسيرش ليترز" (Geophysical Research Letters)، وأعلنت نتائجها جامعة ناغويا اليابانية في 28 أكتوبر/تشرين الأول.
في مايو/أيار 2024، شهدت الأرض واحدة من أعنف العواصف الشمسية خلال العقدين الماضيين. أضاء الشفق القطبي سماء مناطق لم تعتد رؤيته، واضطرب المجال المغناطيسي للأرض تحت تأثير النشاط الشمسي الشديد. لكن بعيدا عن الأضواء الملونة التي جذبت أنظار الملايين، كانت تحدث ظاهرة أخطر وغير مرئية، على ارتفاع آلاف الكيلومترات فوق رؤوسهم.
قصص مقترحة
فقد رصد قمر صناعي ياباني إلكترونات تتحرك بسرعات تقترب من سرعة الضوء، داخل منطقة اعتقد العلماء أنها محمية من وصول مثل هذه الجسيمات فائقة الطاقة.
وبعد أكثر من عامين من تحليل البيانات، توصل فريق دولي بقيادة باحثين من جامعة ناغويا اليابانية إلى نتيجة مفاجئة: لم تكن الإلكترونات قد عبرت الحاجز من الخارج فحسب، بل تشير الأدلة إلى أنها اكتسبت طاقتها الهائلة داخل المنطقة التي كان يفترض أن يحميها.
ويغير هذا الاكتشاف فهم العلماء لطريقة استجابة البيئة الفضائية المحيطة بالأرض للعواصف الشمسية الشديدة، ويكشف خطرا محتملا على الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية.
حاجز غير مرئي يحمي الفضاء القريب
تحيط بالأرض منطقتان ضخمتان من الجسيمات المشحونة التي تحتجزها خطوط المجال المغناطيسي، تعرفان باسم "حزامي فان ألن الإشعاعيين"، نسبة إلى الفيزيائي الأمريكي جيمس فان ألن، الذي أسهم في اكتشافهما عام 1958. وتضم هذه الأحزمة إلكترونات وبروتونات عالية الطاقة، قد تتسبب في إتلاف المكونات الإلكترونية للأقمار الصناعية التي تمر عبرها.
وفي عام 2014، اكتشف العلماء أن الإلكترونات شديدة الطاقة في الحزام الخارجي لا تتجاوز عادة حدا معينا باتجاه الأرض، يقع على مسافة تقارب 3 أضعاف نصف قطر الأرض من مركزها.
وأطلق الباحثون على هذه المنطقة اسم "الحاجز غير القابل للاختراق"، لأن الإلكترونات الأسرع والأعلى طاقة كانت تتوقف عند حدوده تقريبا، ولا تصل إلى المناطق الأقرب إلى الأرض في الظروف المعتادة.
ولم يكن الحاجز جدارا ماديا، بل نتيجة لتفاعلات معقدة بين الجسيمات المشحونة والمجال المغناطيسي وموجات كهرومغناطيسية طبيعية، تساعد على تشتيت الإلكترونات وإبعادها. لكن العاصفة الشمسية الاستثنائية التي ضربت الأرض في مايو/أيار 2024 غيرت هذه الصورة.
إلكترونات ولدت خلف الحاجز
كان القمر الصناعي الياباني "أراسي" (Arase)، الذي أطلقته وكالة الفضاء اليابانية عام 2016 لدراسة البيئة الإشعاعية حول الأرض، يراقب الأحزمة الإشعاعية أثناء العاصفة. وسجلت أجهزته زيادة كبيرة في أعداد إلكترونات تبلغ طاقتها نحو 3 ملايين إلكترون فولت، وهي طاقة عالية تسمح لهذه الجسيمات باختراق بعض وسائل الحماية المستخدمة في الأقمار الصناعية.
لكن السؤال الذي واجه العلماء لم يكن مجرد كيفية وصول الإلكترونات إلى هذه المنطقة، بل من أين اكتسبت طاقتها.
فقد كان من الممكن أن تكون قد انتقلت من الحزام الإشعاعي الخارجي، مدفوعة بالتغيرات العنيفة في المجال المغناطيسي. أما الاحتمال الآخر فهو أن إلكترونات موجودة أصلا في المنطقة تعرضت لتسارع شديد، فاكتسبت طاقتها هناك. وللتمييز بين الاحتمالين، درس الفريق بقيادة أستاذ علوم الفضاء في جامعة ناغويا، يوشيزومي ميوشي، توزيع الإلكترونات وحركتها عبر سلسلة من قياسات القمر الصناعي.
وأظهرت البيانات نشوء تجمع متزايد من الإلكترونات عالية الطاقة داخل المنطقة المحمية سابقا، وهو نمط لا يمكن تفسيره بمجرد انتقال الجسيمات من الخارج إلى الداخل. ورجح الباحثون أن الإلكترونات تسارعت محليا، قبل أن تنتشر لاحقا في اتجاه الأرض وإلى المناطق الأبعد عنها. وهكذا لم يكن الحاجز قد سمح بمرور جسيمات خطيرة فقط، بل أصبحت المنطقة الواقعة خلفه نفسها موقعا لإنتاج إلكترونات فائقة الطاقة.
موجات تشبه أصوات الطيور
كيف يمكن لإلكترونات موجودة في الفضاء أن تكتسب هذه الطاقة الهائلة؟ وجد العلماء جزءا مهما من الإجابة في موجات كهرومغناطيسية طبيعية رصدها "أراسي" خلال العاصفة. وتعرف هذه الموجات باسم "موجات الجوقة"، لأنها عندما تُحوَّل إلى أصوات مسموعة تشبه زقزقة الطيور.
وتستطيع هذه الموجات نقل الطاقة إلى الإلكترونات، عندما تتوافق اهتزازاتها مع حركة الجسيمات حول خطوط المجال المغناطيسي، فتزيد سرعتها وطاقتها تدريجيا. وفي الظروف العادية، تحد كثافة الجسيمات المشحونة في بعض المناطق المحيطة بالأرض من انتشار هذه الموجات وتأثيرها.
لكن عاصفة مايو/أيار 2024 أدت إلى انكماش شديد في منطقة من الغلاف المغناطيسي تعرف باسم "الغلاف البلازمي"، وتراجعت كثافة الجسيمات فيها إلى مستويات منخفضة على نحو غير معتاد.
والأهم أن المنطقة لم تستعد كثافتها المعتادة بالسرعة المتوقعة؛ إذ احتاجت إلى نحو 4.5 يوم لاستعادة أكثر من نصف كثافتها السابقة، بدلا من نحو يومين في الظروف المعتادة.
ووفرت هذه الفترة الطويلة بيئة ملائمة لنشاط موجات الجوقة، التي يرجح الباحثون أنها نقلت الطاقة إلى الإلكترونات داخل المنطقة التي كانت تعد محمية. وتكشف النتيجة أن العواصف الشمسية لا تكتفي بدفع الجسيمات المشحونة نحو الأرض، بل يمكنها أيضا تغيير البيئة المغناطيسية بطريقة تسمح بتسريع جسيمات موجودة فيها أصلا.
هل فقدت الأرض درعها الواقي؟
لا يعني الاكتشاف أن الأرض فقدت حمايتها الطبيعية، أو أن سكانها أصبحوا معرضين مباشرة لهذه الإلكترونات الخطيرة. فالظاهرة حدثت في الفضاء المحيط بالكوكب، حيث تعمل الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، بينما يواصل الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي توفير حماية مهمة للحياة على سطح الأرض.
لكن النتائج تعني أن بعض المناطق التي اعتبرت أكثر استقرارا إشعاعيا قد تصبح خطيرة خلال العواصف الشمسية الاستثنائية. وقد يؤثر ذلك في تقدير المخاطر التي تواجه الأقمار الصناعية، خصوصا أن الإلكترونات فائقة الطاقة تستطيع إحداث اضطرابات في أجهزتها الإلكترونية، وقد تتسبب في أعطال إذا لم تتوافر الحماية المناسبة.
ويؤكد الباحثون أن تحسين التنبؤ بالطقس الفضائي يتطلب فهم التغيرات المتزامنة في الأحزمة الإشعاعية والغلاف المغناطيسي والموجات التي تنقل الطاقة إلى الجسيمات. وتعيد الدراسة أيضا النظر في معنى الحاجز الذي اكتشف قبل أكثر من عقد. فهو ليس سورا ثابتا لا يمكن تجاوزه، بل حد طبيعي يعتمد على الظروف المحيطة به، وقد يفقد خصائصه المعتادة عندما تتعرض الأرض لعاصفة شمسية شديدة.
وهكذا كشفت عاصفة مايو/أيار 2024 أن الخطر الإشعاعي لا يأتي دائما من جسيمات تصل إلى منطقة جديدة، بل قد ينشأ داخلها عندما تتغير الظروف الفيزيائية التي كانت تجعلها آمنة نسبيا.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر