لم يعد البحث عن الثراء، الحب، الثقة بالنفس أو السيطرة على مسار الحياة يمر بالضرورة عبر كتاب أو استشارة متخصصة، يكفي اليوم أن يفتح الجزائري هاتفه ليتحول أمامه فضاء التواصل الاجتماعي إلى سوق مفتوحة لدورات تعده بإعادة برمجة العقل، رفع الذبذبات، وتنشيط الطاقة، التشافي وتنظيف الهالة… دورات إلكترونية تباع بأسعار متفاوتة، وبعضها يصل إلى مبالغ مرتفعة، تقدم في شكل حصص مباشرة أو تسجيلات وملفات وتمارين ومجموعات مغلقة، جمهورها ليس من فئة اجتماعية واحدة، إذ تجد فيه الطالب، والموظف، وربة البيت، وصاحب المشروع، والباحث عن عمل، وحتى أشخاص يحملون شهادات جامعية ويبحثون عن تطوير مهاراتهم.

بلغة العلم الدماغ، الأعصاب، الذبذبات، البرمجة، الطاقة، التردد، اللاوعي وإعادة تشكيل المسارات العصبية… تمكنت هذه الدورات من أن تبيع ادعاءات علمية لا تسندها الأدلة غالبا.

بين تطوير الذات وبيع مفاتيح الحياة

خلصت الدراسات التجريبية حول استخدام البرمجة اللغوية العصبية (NLP) في النتائج الصحية إلى أن الأدلة على فعاليتها الصحية محدودة، وأن جودة الدراسات كانت ضعيفة أو غير واضحة في عدد كبير منها، غير أن التسويق لها يتم بأنها تمنح صاحبها قدرة خارقة على التحكم في الآخرين، في الجانب الآخر تنتشر دورات العلاج بالطاقة ورفع الذبذبات وتوازن الطاقة وجذب الوفرة… وتستخدم بعض الإعلانات مفردات تبدو علمية لإقناع المتلقي بأن المال أو الحب أو الصحة يمكن استدعاؤها عبر تغيير التردد الداخلي، لكن الأدلة العلمية المتاحة لا تسمح بوضع هذه الممارسات في مرتبة العلاجات الطبية المثبتة.

تؤكد الأخصائية النفسية عائشة بن ربيع، “أن هناك مراجعات دورية من بينها مراجعة منهجية شملت 27 دراسة حول أشكال مختلفة من العلاج بالطاقة إلى وجود بعض النتائج الإيجابية في بعض الدراسات، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن الأدلة عالية الجودة التي تثبت الفعالية بشكل متسق غير متوفرة، وأن هناك حاجة إلى تجارب أكثر قوة”.

وعود وضمانات كاذبة

وتزداد قابلية هذه الرسائل للانتشار في فترات التضخم والبطالة وارتفاع تكاليف السكن والتعليم وتربية الأبناء، لأن الوعد بحل سريع يبدو أكثر جاذبية من مسار طويل يحتاج إلى تعلم مهارة، وبناء مشروع، أو تحسين المؤهلات، أو الادخار والاستثمار المدروس، الخطر لا يتوقف هاهنا، وإنما يمتد لما تقدمه هذه الدورات المنتشرة من وعد ضمني بأن العقل وحده قادر على تغيير الواقع الاقتصادي، وفي الحين الذي يستهدف وعد الثراء الجيب، فإن دورات التحكم في الشريك تستهدف الاحتياج العاطفي، والأخطر أن بعض الخطابات التدريبية قد تخلط بين مهارات التواصل والإقناع وبين القدرة على اختراق إرادة الآخر.

تؤكد الأستاذة رويبي كريمة، أنه “لا توجد تقنية محترمة تستطيع أن تمنح إنسانا جهاز تحكم على مشاعر إنسان آخر، لهذا رفضت الكثير من الدول المحترمة السماح بهذا الاحتيال سواء في دورات حضورية أم أونلاين، إذ يمكن تعلم الإصغاء، التفاوض ووضع الحدود، التعبير عن الاحتياجات، قراءة الإشارات الاجتماعية بحذر، وفهم أنماط التواصل… أما ضمان أن شخصا ما سيحبك، أو سيعود إليك، أو سينفذ ما تريد، فهو وعد يتجاوز ما تستطيع أي تقنية نفسية إثباته، إلا إن كان في الأمر سحر أو أمر غير مقبول”.

هل يحمي الحظر ضحايا دورات الوهم؟

أتاح انتشار صناعة المحتوى نقل هذا النوع من التدريب من القاعات والفنادق إلى الهاتف، مدرب أو صانع محتوى يستطيع اليوم أن يعلن عن دورة عبر فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، يحدد سعرا، يفتح التسجيل، ثم يجمع المشاركين في مجموعة مغلقة أو منصة إلكترونية، ولا يعني ذلك تلقائيا أن كل دورة سيئة أو أن كل مدرب محتال، لكن من الجيد إدراك أن في بريطانيا، حيث توجد سوق واسعة لهذه الدورات، تعرض جهات تدريبية شهادات في NLP مع التنبيه إلى أن بعض هذه البرامج غير منظمة أو غير مرخصة رسميا، وفي الكويت، صدر في أوت 2026 قرار وزاري ينظم ممارسة العلاج والاستشارات النفسية، ويمنع تقديم أو الترويج لممارسات لا تستند إلى أدلة علمية معتمدة، وذكر من بينها العلاج بالطاقة والريكي والبرمجة اللغوية العصبية وممارسات أخرى.