تواجه أسواق السندات الأوروبية ضغوطا متزايدة مع توسع شركات التكنولوجيا الأمريكية في الاقتراض من المستثمرين الأوروبيين لتمويل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بزيادة المعروض من ديون الشركات وارتفاع تكاليف الاقتراض على الشركات والحكومات الأوروبية.
وأوضحت مذكرة بحثية لبنك "بي إن بي باريبا" أن الأسواق الأوروبية مرشحة لاستقبال موجة متزايدة من إصدارات السندات المقومة باليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري خلال الأشهر المقبلة، في ظل تسارع نشاط الاقتراض المرتبط بقطاع التكنولوجيا، رغم استمرار تخلف أوروبا عن الولايات المتحدة في حجم الإصدارات.
وأطلقت شركة "ألفابت" أمس الاثنين ثاني إصدار لها من السندات المقومة باليورو هذا العام، بعدما جمعت 9 مليارات يورو في مايو الماضي، فيما يتوقع المستثمرون أن تتجه شركات التكنولوجيا العملاقة، ومنها "ميتا" و"أمازون" و"مايكروسوفت"، إلى زيادة الاقتراض من الأسواق الأوروبية لتمويل استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتشير تقديرات ماريون لو مورديك، كبيرة مسؤولي الاستثمار في أدوات الدخل الثابت لدى "فيدليتي إنترناشونال"، إلى أن إصدارات بقيمة تتراوح بين 40 و60 مليار يورو قد تدخل الأسواق الأوروبية خلال الفترة المقبلة، مع تسارع نشاط شركات التكنولوجيا الأمريكية في أسواق الدين الأوروبية.
وتتيح إصدارات السندات بالعملات الأجنبية للشركات الأمريكية التحوط من مخاطر تقلبات أسعار الصرف المرتبطة بأصولها العالمية، فضلا عن الاستفادة من تكاليف الاقتراض الأقل نسبيا في الأسواق الأوروبية، التي تتمتع بعمق وسيولة مرتفعين.
وبحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، تجاوزت إصدارات الديون المرتبطة بقطاع التكنولوجيا في الأسواق الأمريكية 250 مليار دولار منذ بداية العام الجاري، بزيادة 81% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما بلغت الإصدارات في أوروبا 39.3 مليار دولار، بارتفاع نحو 5% على أساس سنوي.
ويتوقع بنك "بي إن بي باريبا" ارتفاع صافي المعروض من سندات الشركات المقومة باليورو ذات الدرجة الاستثمارية بنسبة 83% إلى 192 مليار يورو في عام 2027، مقابل 105 مليارات يورو خلال العام الجاري، على أن تمثل إصدارات الشركات الأمريكية في الأسواق الأوروبية، المعروفة باسم "ريفيرس يانكي"، نحو 80 إلى 90 مليار يورو من إجمالي المعروض المتوقع، مع استحواذ شركات التكنولوجيا العملاقة على النصيب الأكبر منها.
وقد تؤدي زيادة المعروض من السندات إلى اتساع فروق العائد على ديون الشركات ذات الدرجة الاستثمارية، مع احتدام المنافسة بين شركات التكنولوجيا العملاقة وغيرها من الشركات الأوروبية، خاصة في قطاعات المرافق والاتصالات وصناعة السيارات، على جذب استثمارات المؤسسات المالية.
ويحذر محللون من أن زيادة الإصدارات قد تدفع الشركات إلى تقديم تنازلات سعرية لجذب المستثمرين، بما يرفع تكاليف التمويل على جهات الإصدار الأخرى، في حين قد تؤدي الصفقات الضخمة التي تتراوح قيمتها بين 10 و20 مليار يورو إلى اختبار قدرة الأسواق الأوروبية على استيعاب المعروض الجديد، خاصة إذا تزامنت إصدارات عدة شركات.
وفي مواجهة تقلبات العائدات طويلة الأجل وتوقعات زيادة المعروض، بدأت بعض الشركات الأوروبية في تفضيل إصدار سندات بآجال استحقاق أقصر، إذ تتجه شركات غير تابعة لقطاع التكنولوجيا العملاقة إلى الابتعاد عن الآجال الطويلة، والتحول من سندات تستحق بعد 10 سنوات إلى آجال تتراوح بين 5 و7 سنوات.
كما يُتوقع أن تمتد الضغوط إلى أسواق السندات الحكومية الأوروبية، التي تواجه بالفعل مخاوف متزايدة بشأن الأوضاع المالية والتضخم، بعدما أشارت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، الأسبوع الماضي إلى أن إصدارات الديون من جانب شركات التكنولوجيا العملاقة أسهمت في ارتفاع عائدات السندات السيادية.
وتوفر سندات شركات التكنولوجيا العملاقة للمستثمرين جودة ائتمانية مرتفعة وعائدات تتجاوز عادة عائدات السندات الحكومية، غير أن زيادة المعروض منها قد تعيد تشكيل المنافسة على التمويل في الأسواق الأوروبية وتزيد الضغوط على تكاليف الاقتراض.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر