تواصل الشركات الأمريكية تحقيق قفزات في الأرباح تدعم الاستثمار وأسواق الأسهم، لكن قدرتها على الحفاظ على هذا الزخم، ونقل أثره إلى الوظائف ودخول الأسر، تثير تساؤلات بشأن مدى إسهامها في حماية الاقتصاد من التباطؤ، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض واتساع عجز الموازنة.
وأظهرت أحدث بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، التابع لوزارة التجارة الأمريكية، ارتفاع أرباح الشركات من الإنتاج الجاري إلى نحو 4.71 تريليونات دولار في الربع الثاني من عام 2026، مقابل نحو 4.33 تريليونات في الربع الأول.
أخبار مقترحة
تزامنت زيادة الأرباح مع استمرار نمو الاقتصاد، وإن بوتيرة أبطأ؛ إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي قدره 2.2% في الربع الثاني، مقابل 2.5% في الربع الأول بعد المراجعة، وفق المكتب نفسه.
في المقابل، ارتفع عجز الموازنة الأمريكية إلى نحو 1.99 تريليون دولار في السنة المالية 2026، ليسجل أعلى مستوى منذ السنة المالية 2021. وحسب رويترز، زاد العجز 217 مليار دولار، مدفوعا جزئيا برد الرسوم الجمركية والإنفاق القياسي لخدمة ديون البلاد التي تجاوزت 40 تريليون دولار، إلى جانب زيادة الإنفاق الدفاعي.
ويعكس العجز الفارق بين إيرادات الحكومة ونفقاتها، ولذلك لا يعني اتساعه وحده انكماش النشاط الاقتصادي، كما لا تتحول زيادة أرباح الشركات بالكامل إلى إيرادات حكومية، إذ يتوقف أثرها المالي على الضرائب المحصلة ومسار الإنفاق العام.
وحذرت المديرة التنفيذية لمنظمة "كونكورد أكشن" كارولين بوردو، في بيان، من أن غياب إجراءات فعلية لمعالجة الاختلالات المالية يدفع الولايات المتحدة نحو أزمة مالية، مشيرة إلى أن ارتفاع الفائدة يزيد بالفعل تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات والحكومة الفدرالية.
أرباح قياسية
ساهم نمو أرباح الشركات في دعم مؤشر ستاندرد آند بورز 500، الذي كان قد صعد نحو 12% منذ بداية العام حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول، بحسب تحليل لرويترز، رغم ارتفاع أسعار الفائدة، وتشدد السياسة النقدية، والحرب في الشرق الأوسط وما يرتبط بها من ارتفاع أسعار النفط.
ودفع هذا الزخم المستثمرين إلى النظر إلى ما بعد عام 2026، والتساؤل عن قدرة الشركات على الحفاظ على معدلات نمو الأرباح، ومدى استمرار أثرها في دعم الاقتصاد.
ونقلت رويترز عن كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "غرينوود كابيتال" بولاية كارولاينا الجنوبية والتر تود قوله: "يتساءل المستثمرون مثلي عن مدى استدامة هذه الأرقام الضخمة. لقد حققنا أرباحا ممتازة، لكن المشكلة تكمن في أن المقارنات ستكون صعبة للغاية في العام المقبل بالنسبة للعديد من هذه الشركات".
وتشير بيانات "فاكت سيت" الصادرة في 16 أكتوبر/تشرين الأول إلى نمو أرباح شركات المؤشر بنحو 29% في الربع الثالث على أساس سنوي. ويجمع هذا المعدل بين نتائج معلنة وتقديرات، إذ لم تكن سوى 9% من الشركات قد أعلنت نتائجها، وسيكون الربع الثالث على التوالي بنمو يتجاوز 25% إذا تحققت التوقعات.
وفي حديث للجزيرة نت، يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي خالد بركات أن الشركات قادرة إلى حد كبير على أن تكون رافعة قوية للاقتصاد، لكن ضمن حدود، مشيرا إلى تفاوت قوة الأداء بين القطاعات واستفادة شركات الرقائق بصورة خاصة من طفرة الاستثمار.
وتقدر "فاكت سيت" نمو أرباح صناعة أشباه الموصلات ومعداتها بنحو 130%، ومع ذلك، لا يقتصر نمو الأرباح على العمالقة السبعة، إذ يبلغ المعدل المتوقع للشركات الـ493 الأخرى في المؤشر نحو 27.7%، مما يشير إلى اتساع النمو خارج المجموعة أيضا.
استثمار ووظائف أقل
رغم أن مكاسب الشركات تدعم الاقتصاد الأمريكي، فإن توزيع منافعها يظل متفاوتا، وترى إليزابيث بانكوتي -نائبة رئيس السياسات في مركز "غراوند وورك" التعاوني للأبحاث- أن المستثمرين الأكثر ثراء يستفيدون بدرجة أكبر، بينما تتعرض الأسر المعتمدة على الرواتب لضغوط حين يتجاوز التضخم نمو الأجور.
ويتفق بركات مع أهمية هذا التفاوت، مشيرا إلى أن شركات أمازون ومايكروسوفت وألفابت وميتا تخطط لإنفاق رأسمالي يناهز 725 مليار دولار في 2026، بزيادة تقارب 77% عن العام الماضي، لكن حجم الاستثمار لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في الوظائف.
وفي تقدير نشرته شركة "أبولو" لإدارة الأصول في فبراير/شباط، بلغ الإنفاق الرأسمالي المتوقع لكبرى شركات الحوسبة السحابية نحو 646 مليار دولار خلال العام الجاري، بما يعادل قرابة 2% من الناتج المحلي الأمريكي. وهذه مقارنة لحجم الإنفاق، وليست تقديرا لمساهمته الصافية في نمو الناتج.
وبالتوازي مع هذه الاستثمارات الضخمة، أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف وظيفة غير زراعية فقط في سبتمبر/أيلول، مع بلوغ البطالة 4.2%، وفق مكتب إحصاءات العمل. ويخص الرقم الاقتصاد كله، ولا يقيس الوظائف التي أوجدها الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ويرى بركات أن الاستثمار في مراكز البيانات يدعم الناتج بدرجة أكبر من دعمه للتوظيف، مما يفسر إمكان تزامن طفرة الإنفاق مع مكاسب محدودة في سوق العمل.
دعم النمو ومخاطر التراجع
يرى بركات أن الطفرة الربحية قد تساعد في إبعاد احتمالات الركود، لكنها لا تلغي مصادر الخطر؛ فالأرباح القوية تمول الاستثمار، وتدعم إنفاق بعض الأسر عبر زيادة قيمة مدخراتها في الأسهم، بينما يظل هذا الدعم معرضا للتراجع إذا ضعفت النتائج أو انخفضت التقييمات.
وتتوقع "فاكت سيت" نمو أرباح قطاع خدمات الاتصالات بنحو 50.1% في الربع الثالث، مع مساهمة كبيرة لميتا وإيكوستار. وينخفض المعدل المتوقع للقطاع إلى 11.5% عند استبعاد الشركتين، مما يوضح تفاوت مساهمة الشركات داخله.
وأشارت قراءة تحليلية لرويترز إلى أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد تدعم أرباح الشركات وأسعار الأسهم بدرجة أكبر من دعمها للناتج المحلي الأمريكي، لاعتماد جانب من الإنفاق على المعدات والخوادم والرقائق المستوردة، ما يحد من القيمة المضافة المتحققة داخل البلاد.
وقد ترفع الأتمتة والذكاء الاصطناعي الإنتاجية، لكنهما قد يغيران طبيعة المهارات المطلوبة. وفي كلمة لها في سبتمبر/أيلول، حذرت عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي ليزا كوك من احتمال ارتفاع مؤقت للبطالة نتيجة عدم التوافق بين مهارات العاملين والوظائف المتاحة.
ويقول المحلل الاقتصادي حسام عايش للجزيرة نت إن ثمة تباينا بين الثقة في الاقتصاد الأمريكي القائم على الشركات الخاصة، والثقة في السياسات الحكومية، مشيرا إلى أن قرارات تنظيم التجارة والتدخل في أنشطة شركات التكنولوجيا والإعلام قد تزيد حالة عدم اليقين.
ويرى أن الشركات، رغم تفاوت أدائها، تلعب دورا أساسيا في النمو، خاصة شركات الطاقة والشركات المستثمرة في الذكاء الاصطناعي؛ إذ تدعم أرباح الأولى حصيلة الضرائب، بينما تساهم استثمارات الثانية في دعم الناتج وتعويض الضعف في قطاعات أخرى.
ويوضح بركات أن تراجع الأرباح والأسهم قد ينقل الصدمة من البورصة إلى الاقتصاد الحقيقي عبر 3 قنوات على النحو التالي:
ويستشهد بركات بهبوط مؤشر ناسداك نحو 78% بين عامي 2000 و2002، وهي فترة شهدت ركودا عام 2001 وتسريحات في قطاع التكنولوجيا، معتبرا أن ارتباط الإنفاق الاستثماري الحالي بالرهان على الذكاء الاصطناعي يجعل تراجع الثقة مؤثرا في الأسواق والاستثمار معا.
ويؤكد أهمية أسواق الأسهم والسندات في تمويل الشركات الأمريكية، ومن أمثلة ذلك إغلاق ألفابت إصدار سندات بقيمة 25 مليار دولار في أغسطس/آب، وفق إفصاح للشركة، في وقت تتوسع فيه استثماراتها.
قد تسهّل التقييمات المرتفعة جمع الأموال عبر إصدار الأسهم، بينما تتأثر تكلفة الاقتراض أيضا بالفائدة والمخاطر الائتمانية، ولا تنخفض تلقائيا بمجرد صعود البورصة.
ويتفق عايش مع مخاطر انتقال الصدمة، محذرا من أن استمرار تراجع الأرباح والاستثمار والتمويل قد يزيد احتمالات الركود، ويرى أن اقتران ذلك بضغوط الأسعار الناجمة عن الحروب واضطرابات الإمدادات قد يفاقم مخاطر الركود التضخمي، بوصفه سيناريو محتملا يتوقف على تطور هذه العوامل.
استثمار محفوف بالمخاطر
تعدّ شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من أبرز محركات نمو الأرباح، ففي الربع الأول من العام الجاري، ارتفعت إيرادات "غوغل كلاود" 63%، وإيرادات "أزور" والخدمات السحابية الأخرى لدى مايكروسوفت 40%، ومبيعات "أمازون ويب سيرفيسز" 28%، على أساس سنوي، وفق إفصاحات الشركات.
ويرى بركات أن هذه النتائج تعكس طلبا حقيقيا، لكن المخاطرة تبقى قائمة؛ فإذا لم تتحول الاستثمارات إلى إيرادات بالسرعة الكافية، فقد تتجاوز الطاقة المنشأة حجم الطلب، فتتحول التكنولوجيا من مصدر لدعم النمو إلى أحد مصادر الخطر.
ويشير عايش إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والرقائق ساهم في تماسك النشاط الاقتصادي، خاصة في الدول المتقدمة.
لكنه يحذر من اتساع الفجوة بين حجم الاستثمار والعوائد المتحققة، ومن ارتفاع أسعار أسهم التكنولوجيا إلى مستويات يصعب تبريرها إذا لم تقدم الشركات نتائج تقنع المساهمين بجدوى الإنفاق.
ويرى أن تحقق هذا السيناريو قد ينقل الأزمة من شركات التكنولوجيا وأسواق المال إلى الاقتصاد الحقيقي، عبر تراجع الاستثمار والتمويل والطلب، مع امتداد تداعياتها إلى الدول الناشئة والفقيرة ومتوسطة الدخل، خاصة الأكثر اعتمادا على الأسواق والتمويل الخارجيين.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر