يواجه مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة ظروفاً صحية ومعيشية بالغة الصعوبة، في ظل النقص الحاد في الأدوية والعلاجات المتخصصة، وتراجع مستوى الرعاية الصحية، بالتزامن مع ظروف إنسانية قاسية يعيشها المرضى وعائلاتهم، ما يهدد حياة العشرات منهم، ولا سيما الأطفال والحالات الأكثر ضعفاً.

وقال منسق جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة، إبراهيم عبد الله، إن عدد مرضى الثلاسيميا المسجلين حالياً في القطاع يبلغ نحو 240 مريضاً، مشيراً إلى أن 52 مريضاً توفوا خلال الحرب.

وأوضح عبد الله في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن 12 مريضاً توفوا نتيجة القصف الإسرائيلي، فيما توفي 40 آخرون نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية في ظل الظروف التي عاشها القطاع خلال الحرب، إضافة إلى تأثير الظروف المعيشية والنفسية الصعبة التي انعكست بشكل مباشر على صحة المرضى.

انعدام الأدوية منذ أكثر من خمسة أشهر

وأشار عبد الله إلى أن مرضى الثلاسيميا كانوا يحصلون قبل الحرب على خدمات علاجية أفضل نسبياً، رغم وجود بعض الصعوبات، إلا أن الوضع الصحي الحالي وصل إلى مرحلة حرجة مع انعدام الأدوية الخاصة بالمرضى.

وقال إن نسبة توفر الأدوية الخاصة بمرضى الثلاسيميا في قطاع غزة أصبحت، بحسب الجمعية، صفرًا تقريباً منذ أكثر من أربعة إلى خمسة أشهر، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى فقدان المزيد من المرضى.

وأضاف أن عدداً من المرضى يعانون حالياً من تدهور شديد في أوضاعهم الصحية، فيما يرقد بعضهم داخل المستشفيات، مؤكداً أن توفير العلاج بشكل عاجل بات ضرورة للحفاظ على حياة المرضى وتمكينهم من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

11 حالة جديدة خلال الحرب

وفي مؤشر آخر على خطورة الوضع، أشار عبد الله إلى تسجيل أكثر من 11 حالة جديدة من الأطفال المصابين بالثلاسيميا خلال فترة الحرب، بعد أن كان تسجيل حالات ولادة جديدة مصابة بالمرض نادراً في السنوات السابقة.

ووصف تسجيل هذه الحالات بأنه تطور صعب، في ظل الظروف الصحية والإنسانية التي يعيشها القطاع، معتبراً أن المرضى الجدد يضافون إلى قائمة طويلة من المرضى الذين يحتاجون إلى علاج ورعاية مستمرة.

الأطفال الأكثر عرضة للخطر

وأوضح عبد الله أن مرضى الثلاسيميا يحتاجون إلى رعاية صحية متخصصة ومتابعة منتظمة، نظراً لتأثر مناعتهم وحاجتهم المستمرة إلى العلاج ونقل الدم والرعاية الغذائية والصحية المناسبة.

وأكد أن الأطفال يمثلون إحدى أكثر الفئات عرضة للخطر، في ظل صعوبة توفير الغذاء الصحي والعلاج المنتظم، فضلاً عن الظروف المعيشية القاسية.

وأشار إلى أن أكثر من 90% من مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة يعيشون حالياً في خيام، في وقت يواجه فيه القطاع ظروفاً مناخية قاسية مع اقتراب فصل الشتاء، الأمر الذي يزيد من المخاطر الصحية التي تواجه المرضى.

ارتفاع أسعار الغذاء يزيد معاناة المرضى

ولا تقتصر معاناة مرضى الثلاسيميا على نقص الأدوية، إذ يعاني المرضى أيضاً من صعوبة توفير الغذاء الصحي الذي يحتاجونه.

وقال عبد الله إن أسعار السلع والمواد الغذائية ارتفعت بشكل كبير، ما يجعل من الصعب على المرضى وعائلاتهم تأمين احتياجاتهم الغذائية، خصوصاً أن التغذية المناسبة تعد جزءاً مهماً من الرعاية الصحية للمصابين بالثلاسيميا.

وأضاف أن تضافر نقص العلاج وسوء التغذية والظروف السكنية الصعبة والضغط النفسي يؤدي إلى تدهور متواصل في الحالة الصحية والنفسية للمرضى.

مطالب بإدخال الأدوية بشكل عاجل

وأكد منسق جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا وجود تواصل مستمر مع وزارة الصحة، إلا أنه أشار إلى عدم وجود مؤشرات واضحة حتى الآن على إدخال الأدوية اللازمة للمرضى.

وأوضح أن الجمعية تمكنت خلال فترة الحرب من إدخال كميات من الأدوية عبر بعض المؤسسات والمنظمات الدولية، لكنها لم تتمكن منذ أكثر من خمسة أشهر من إدخال أي جرعات جديدة من أدوية الثلاسيميا.

وأشار إلى أن الحصار المفروض على القطاع يشكل عائقاً رئيسياً أمام وصول الأدوية، مؤكداً ضرورة تدخل المؤسسات الدولية المعنية بشكل عاجل.

لا بدائل للعلاج المتخصص

وحذر عبد الله من خطورة عدم توفر الأدوية المتخصصة، موضحاً أن مرضى الثلاسيميا يعتمدون على علاجات محددة، من بينها ديسفرال (Desferal) وديفيروكس (Deferox)، ولا تتوفر بدائل علاجية يمكن الاعتماد عليها في ظل غياب هذه الأدوية.

وأضاف أن هذه الأدوية لا تتوفر بشكل طبيعي في الصيدليات، وإنما يتم توفيرها عادة من خلال وزارة الصحة أو المؤسسات الداعمة، ما يجعل استمرار دخولها إلى القطاع مسألة حيوية بالنسبة للمرضى.

ودعا وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية القادرة على إدخال الأدوية إلى إدراج أدوية مرضى الثلاسيميا ضمن أولويات المساعدات الطبية، والعمل على إدخالها بصورة عاجلة ومنتظمة.

تحذير من فقدان المزيد من المرضى

وشدد عبد الله على أن عامل الوقت أصبح بالغ الأهمية، محذراً من أن استمرار عدم توفر العلاج سيؤدي إلى فقدان مزيد من مرضى الثلاسيميا.

وقال إن تدهور حالة بعض المرضى ووفاتهم لا يؤثر فقط في أسرهم، بل ينعكس أيضاً على الحالة النفسية لبقية المرضى، الذين يعيشون حالة من الخوف والقلق في ظل عدم توفر العلاج وانتظارهم دورهم.

وأكد أن مرضى الثلاسيميا في غزة لا يستطيعون الانتظار أكثر، مطالباً بتدخل عاجل لتأمين الأدوية والعلاجات اللازمة وإنقاذ حياة المرضى، خصوصاً الأطفال والحالات الصحية الحرجة.

وتضع هذه الظروف مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة أمام تحديات متشابكة، تجمع بين نقص الأدوية والرعاية الطبية، وسوء الظروف المعيشية والغذائية، والنزوح والعيش في الخيام، فضلاً عن الضغوط النفسية، ما يستدعي استجابة طبية وإنسانية عاجلة ومستدامة لضمان استمرار رعاية هؤلاء المرضى.