تونس- بعد مرور 16 عاما على اندلاع الثورة التونسية، لم يعد السؤال متعلقا بعدد الأحزاب التي تأسست، بل بما بقي منها قادرا على التأثير والتمثيل والمنافسة، في ظل أزمات داخلية وتحولات سياسية وقانونية أعادت رسم قواعد العمل السياسي منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد التدابير الاستثنائية في 25 يوليو/تموز 2021.
وشملت التدابير حل البرلمان المنتخب السابق وحل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب أيضا، وعزل الحكومة السابقة واستبدال الدستور وتغيير النظام من برلماني إلى رئاسي عزز بموجبه قبضته على جميع السلطات.
أخبار مقترحة
هذا الواقع بدد الزخم الذي أعقب اندلاع الثورة في عام 2011، حيث بدت البلاد وكأنها تفتح صفحة جديدة في تاريخها السياسي، مع تأسيس عشرات الأحزاب وعودة وجوه سياسية إلى المشهد، بعد عقود من هيمنة الحزب الحاكم.
وقد أرسى المرسوم رقم 87 الصادر في سبتمبر/أيلول 2011 الإطار القانوني لتأسيس الأحزاب السياسية. وارتفع عدد الأحزاب المسجلة خلال السنوات التالية إلى مستويات غير مسبوقة، إذ أظهرت بيانات حكومية تسجيل 228 حزبا في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
كذلك، نشأت تنظيمات كثيرة حول شخصيات سياسية أو تحالفات ظرفية، من دون بناء قواعد اجتماعية ثابتة أو برامج متماسكة.
لكن كثرة الأحزاب لم تقترن دائما بمشروعات سياسية وفكرية واضحة، إذ ارتبط بعضها بشخصيات أو بظروف المرحلة بدلا من الاستناد إلى تنظيم مستقر ورؤية قادرة على الاستمرار، وفق رئيس حزب التكتل خليل الزاوية.
كما أسهمت الصراعات الداخلية وتعثر الأحزاب في أداء أدوارها في تراجع الثقة بها. ففي فبراير/شباط 2021، أعلنت رئاسة الحكومة التونسية حينئذ أن 158 حزبا في وضعية مخالفة، خصوصا لعدم تقديمها تقارير مالية مدققة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أعلنت رئاسة الحكومة صدور أحكام قضائية بحل 15 حزبا، وأحكام بتعليق نشاط 97 حزبا بسبب عدم تقديم تقاريرها المالية منذ عام 2018. وفي يونيو/حزيران 2025، أُعلن عن 50 قرارا أوليا بحل أحزاب و154 إذنا بتعليق نشاطها.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الأحزاب المعنية حُلت نهائيا، لكنها تكشف حجم التعثر التنظيمي والمالي داخل المشهد الحزبي.
استهداف الأحزاب
يقول عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة بلقاسم حسن إن قوى سياسية ركزت على المكاسب الديمقراطية والمؤسساتية، في حين ظل التقدم في الملفات التنموية والاجتماعية دون التطلعات.
ويرى أن مرحلة ما بعد 25 يوليو/تموز 2021 شهدت استهدافا للأحزاب والمنظمات الوسيطة، بما أضعف دورها في الحياة العامة.
في المقابل، يحمّل منتقدون الأحزاب مسؤولية إخفاقات الحكم والانشغال بالصراعات الداخلية، معتبرين أنها لم تنجح في تحويل التنافس الانتخابي إلى استجابة ملموسة لمطالب المواطنين.
ويستحضر الأمين العام لحزب الائتلاف الوطني ناجي جلول تجربة حزب نداء تونس، الذي فاز بـ86 مقعدا من أصل 217 في الانتخابات التشريعية عام 2014، قبل أن تتوالى انقساماته.
ويعزو جلول جانبا من تراجع الأحزاب إلى الصراع على المواقع والخلافات الداخلية، معتبرا أن المواطنين باتوا يرون قوى سياسية منشغلة بمصالحها أكثر من انشغالها بمشكلاتهم اليومية.
تحولات سياسية
لكن التحولات السياسية لم تقتصر على أزمة الثقة. فقد أعلن الرئيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021 إجراءات استثنائية شملت تعليق عمل البرلمان، قبل حله لاحقا، ثم إقرار دستور جديد عام 2022.
ومع الانتقال إلى نظام انتخابي يقوم على الترشح الفردي بدلا من القوائم الحزبية، تغيرت البيئة التي اعتادت الأحزاب خوض المنافسة في إطارها.
وفي الدور الأول من الانتخابات التشريعية في ديسمبر/كانون الأول 2022، بلغت المشاركة 11.22%، ولم تتجاوز نحو 11.4% في الدور الثاني في يناير/كانون الثاني 2023. كما بلغت نحو 12.5% في الدور الثاني من الانتخابات المحلية في فبراير/شباط 2024.
أما الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، فسجلت مشاركة بلغت 28.8%، وفاز سعيّد من الدور الأول بنسبة 90.69% من الأصوات.
ويرى الزاوية أن تغيير النظام الانتخابي أضعف قدرة الأحزاب على المنافسة بصفتها تنظيمات تمتلك برامج وهياكل وقواعد انتخابية، إذ حد الترشح الفردي من دور العمل الحزبي المنظم في تشكيل التمثيل السياسي.
قيود وملاحقات
منذ عام 2023، واجهت قوى معارضة قيودا وملاحقات قضائية طالت قيادييها ومقارها. ففي أبريل/نيسان من العام نفسه، أُغلقت مقار حركة النهضة في مختلف أنحاء البلاد، وطالت إجراءات مماثلة قوى سياسية أخرى.
وشملت الملاحقات شخصيات معارضة، من بينها رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، والقيادي في جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك، والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، والأمين العام السابق للتيار الديمقراطي غازي الشواشي.
واعتبرت منظمات حقوقية أن هذه التطورات تندرج ضمن تضييق أوسع على المعارضة، بينما تقول السلطات إن الإجراءات تتعلق بقضايا معروضة على القضاء.
ويشير جلول إلى أن العمل الحزبي يحتاج إلى مقار وموارد مالية واجتماعات منتظمة، معتبرا أن الخوف من التتبعات قد يدفع الأنصار والممولين إلى الابتعاد عن الأحزاب ويزيد من صعوبة استمرارها.
في المقابل، يقول حسام بن أحمد -وهو ناشط قريب من المسار السياسي للرئيس سعيّد- للجزيرة نت إن الأحزاب ابتعدت عن مشاغل المواطنين ولم تعد تمثلهم، وإن غياب البرامج العملية أسهم في تآكل الثقة بها.
وتتقاطع هذه القراءة مع آراء مواطنين التقيناهم في الشارع. ويقول أنيس -وهو أب لطفلين- إن الأحزاب لم تغيّر واقع المواطنين، وإن بعضها انشغل بمصالحه وصراعاته بدلا من بناء مشروع وطني.
عجز واختلال
أما سيف (34 عاما)، الموظف في شركة خاصة، فيرى أن تشتت السلطة بين الأحزاب والكتل البرلمانية جعل المحاسبة أكثر صعوبة، ويعتقد أن تركيزها في يد شخص واحد يجعل المسؤولية أكثر وضوحا.
لكن منتقدي هذا الطرح يرون أن فشل الأحزاب في إدارة أزمات البلاد لا يبرر التخلي عن التعددية أو العودة إلى الاستبداد، خصوصا في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يختزل حسان العيادي، رئيس تحرير صحيفة المغرب، أسباب تراجع الأحزاب في الضغوط السياسية وحدها، بل يشير -في تصريح للجزيرة نت- إلى عجز عدد منها عن مواكبة التحولات الاجتماعية وتطلعات الأجيال الجديدة.
ويصف المشهد بأنه "يعرف اختلالا في السوق السياسية"، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على تقديم عرض يقنع المواطنين أو يستجيب لطلبهم في التغيير.
وفي مواجهة هذا المأزق، يدعو الزاوية الأحزاب إلى تقديم برامج عملية في الصحة والطاقة والزراعة والاستثمار والمالية العمومية، مرتبطة بآجال واضحة ومؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.
أما بلقاسم حسن، فيرى أن الدفاع عن التعددية لا ينفصل عن حماية الحريات والمؤسسات الوسيطة التي تتيح للمواطنين التعبير عن مطالبهم وتنظيم أنفسهم.
وهكذا، لا يمكن تفسير انكماش التعددية الحزبية في تونس بسبب واحد. فقد أسهمت الصراعات الداخلية وإخفاقات الحكم في إضعاف الثقة بالأحزاب، بينما غيرت التحولات السياسية والقانونية بعد 25 يوليو/تموز 2021 شروط المنافسة، وترافقت مع قيود وملاحقات طالت قوى معارضة.
وبين مراجعة التجربة الحزبية وضمان حرية التنظيم والتنافس، يبقى التحدي هو استعادة تعددية لا تقتصر على وجود أحزاب مسجلة، بل تتيح تمثيلا سياسيا فعليا ومحاسبة ممكنة.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر