تمكن فريق بحثي دولي متعدد التخصصات من حل لغز طالما حير العلماء بخصوص إحجام الإنسان القديم عن التحرك عبر مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية، رغم أنها كانت في الماضي بيئة مثالية وفق النماذج العلمية.
وتربط معظم النماذج العلمية انتشار الإنسان القديم بعامل المناخ، وبالأخص توافر المياه العذبة، لكن رغم أن الصحراء الكبرى والصحاري الممتدة عبر شبه الجزيرة العربية لم تكن جافة طوال تاريخها، وشهدت خلال فترات جيولوجية سابقة مراحل أكثر رطوبة، إلا أن موجات الانتشار البشري بها كانت قصيرة ومحدودة جغرافيا.
أخبار مقترحة
ولحل هذا اللغز، افترض الباحثون أنه ربما افتقدت هذه الصحاري توافر الصخور القابلة للتشكيل وصناعة الأدوات الحجرية، التي تساعد الإنسان في الحصول على الطعام والتعامل مع البيئة المحيطة، وهو ما نجحوا في إثباته في الدراسة، التي نشرت بدورية "نيتشر" وأجريت بصحراء "الربع الخالي" في شبه الجزيرة العربية، وهي أكبر مساحة متصلة من الكثبان الرملية في العالم.
مسح 1500 كيلومتر
وخلال الدراسة قام الباحثون بمسح مسافة تقارب 1500 كيلومتر عبر الصحراء، شملت 125 موقعا، وذلك للبحث عن آثار البحيرات القديمة والرواسب التي تشير إلى وجود المياه العذبة في الماضي، والأدوات الحجرية، أو الصخور التي كان يمكن للإنسان القديم استخدامها في تصنيعها.
وكان الهدف اختبار ما إذا كانت المناطق التي شهدت وجود المياه قد استُخدمت بالفعل من جانب الإنسان القديم، أم أن هناك عوامل أخرى حالت دون استيطانها.
ويقول الدكتور جيفري روز الباحث بالمركز متعدد التخصصات لعلم الآثار وتطور السلوك البشري بجامعة أونيفيرسيداد دو ألغارڤ البرتغالية، والباحث المراسل بالدراسة -للجزيرة نت- إن النتيجة كانت لافتة حيث "سجلنا وجود رواسب بحيرات قديمة في 55 موقعا من أصل 125 شملها المسح، وكانت هذه الرواسب مرتبطة بمقاطع جيولوجية لبحيرات جرى تأريخها بصورة مستقلة، وتعود إلى فترة تتراوح بين نحو 122 ألفا و67 ألف سنة مضت".
ويضيف "لكننا لم نعثر على أي أدوات حجرية في أي من المواقع، كما لم نجد أي أحجار خام يمكن تشكيلها لصناعة الأدوات، على امتداد نحو 800 كيلومتر داخل الصحراء".
والمفارقة أنه في الفترة الزمنية نفسها، كان البشر يعيشون على أطراف الصحراء في مناطق مثل مندافان وجبل الفاية وأم الشَّعال وهضبة نجد ظفار، وهي مناطق اجتمعت فيها المياه والصخر المناسب لتشكيل الأدوات الحجرية.
كما تُظهر المقارنات مع مناطق أخرى نمطا مشابها، ففي جُبّة شمال السعودية، حيث يوجد حوض بحيرة داخلية فوق تكوينات من الحجر الرملي الذي وفر "الكوارتزيت" استقر البشر بالفعل على ضفاف البحيرة.
أما في الدقم وسط سلطنة عُمان، فرغم وفرة حجر الصوان، يبدو أن المياه العذبة كانت شحيحة، ولذلك فإن المواقع الأثرية العائدة إلى هذه الفترة نادرة.
وخلص الباحثون إلى أن المناطق التي توافرت فيها المياه دون الأحجار المناسبة، وكذلك تلك التي توافرت فيها الأحجار دون المياه، لم تكن مناسبة.
غياب مؤكد للأحجار
وعن كيفية التأكد من أن غياب الأدوات الحجرية عن المواقع -التي شملها المسح- كان غيابا فعليا وليس بسبب عدم القدرة على اكتشافها (يقول جيفري) إنهم لم يبحثوا عن الأدوات الحجرية وسط الكثبان الرملية التي تغطي مساحات واسعة من "الربع الخالي" وإنما ركزوا على أحواض البحيرات القديمة والشواطئ التي كانت تحيط بها، وهي الأماكن التي يُرجح أن البشر كانوا يتخذونها مواقع للتخييم، مستفيدين من توافر المياه.
ويشرح أن الرياح أزالت بمرور الزمن طبقات الرمال من المساحات الواقعة بين الكثبان، فكشفت عن الرواسب التي خلفتها البحيرات القديمة، وعن الأراضي التي كانت تشكل شواطئها، وبذلك أصبحت هذه الأسطح مكشوفة أمام الباحثين، بدلا من أن تكون مدفونة تحت الرمال.
ويقول إن "نسبة المساحات التي أمكننا رؤيتها بوضوح تجاوزت 95% من إجمالي الأسطح التي فحصناها، واستطعنا رصد بقايا صغيرة، مثل أصداف قواقع المياه العذبة وقطع من قشور بيض النعام، لم يتجاوز حجم بعضها سنتيمترا واحدا، وبالتالي فإن الأدوات الحجرية، التي تكون أكبر حجما وأكثر مقاومة للتلف من هذه البقايا، كان من المفترض أن تكون ظاهرة للعين لو كانت موجودة في تلك المواقع".
ويضيف أن "الصخور السطحية في المناطق الداخلية من الصحراء التي قمنا بمسحها كانت تتكون من الصخور الكربوناتية، والمتبخرات (صخور رسوبية تتكون عندما تتبخر المياه المالحة، تاركة وراءها الأملاح والمعادن التي كانت ذائبة فيها) والرواسب دقيقة الحبيبات، وهي مواد لا تتكسر بالطريقة التي تنتج حواف حادة تشبه حواف الزجاج، وهي الخاصية الضرورية لصناعة أدوات القطع".
احتياج ضروري
ويشدد جيفري على أنه لا ينبغي التقليل من هذا الاحتياج، وربط تحركات الإنسان القديم بالماء فقط، مشيرا إلى أنه "بالنسبة إلى البشر في تلك الفترة، لم تكن الأدوات الحجرية مجرد احتياج إضافي، بل كانت الوسيلة التي اعتمدوا عليها لتلبية كثير من احتياجاتهم الأخرى، فقد استخدموها في تقطيع الحيوانات وتجهيز لحومها، وكشط الجلود ومعالجتها، وتجهيز النباتات، وتشكيل الرماح الخشبية وعصي الحفر. ومن دون هذه الأدوات، لم يكن من السهل الاستفادة من الغذاء المتاح حول البحيرات".
ولم تكن كل الصخور مجدية في هذه المهمة، إذ كانت الصخور المطلوبة هي تلك التي تتكسر بطريقة تشبه تكسر الزجاج، فتنتج حواف حادة يمكن التنبؤ بشكلها والتحكم فيها، وتشمل الصوان والكوارتزيت والكالسيدوني (العقيق الأبيض) والكوارتز والحجر الجيري والحجر الرملي المتحولين إلى صخور سيليسية، وبعض الصخور البركانية مثل الريوليت.
ويقول جيفري "في جنوب شبه الجزيرة العربية، كان الصوان ذا أهمية خاصة، بينما استخدم البشر في جُبّة بالسعودية الكوارتزيت".
حل غير عملي
وعن إمكانية حصول الراغبين في استيطان "الربع الخالي" على إمدادات حجرية من أماكن أخرى، كما كان يفعل الإنسان القديم في العصر الحجري القديم الأوسط في أوروبا، يوضح جيفري أن ما يمنع ذلك هو بعد المسافات.
ويقول "في المواقع الأثرية التي تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط في أوروبا، أثبتت الدراسات أن معظم الأحجار المستخدمة في صناعة الأدوات كانت تأتي من مصادر تقع على مسافة لا تتجاوز نحو 5 كيلومترات، بينما نادرا ما توفر المصادر التي تبعد أكثر من 20 إلى 30 كيلومترا ما يزيد على 5% من الأحجار المستخدمة، وعادة ما تتراوح مساهمتها بين 1 و2% فقط. أما بحيرات الربع الخالي، فتقع على مسافة تزيد على 200 كيلومتر من أقرب مورد صخري معروف يوفر أحجارا جيدة لصناعة الأدوات".
ويضيف أنه "كان بإمكان مجموعة بشرية زيارة المنطقة، وهي تحمل أدواتها معها، لكن البقاء فيها كان سيتطلب تجديد مخزونها من الأحجار الخام مرارا وتكرارا، وقطع تلك المسافة الطويلة كل مرة".
تغيير خريطة الاستيطان
ويعتقد جيفري أن النتائج المرصودة في دراستهم من شأنها أن تغير خريطة المناطق التي يُحتمل أن البشر الأوائل استقروا فيها.
ويقول إن "المناخ فتح نوافذ زمنية أصبحت خلالها شبه الجزيرة العربية خضراء، لكن لم تكن كل أجزاء هذه المساحة صالحة للاستيطان خلال تلك الفترات".
ويضيف "في الدراسة، نصف (الجزيرة العربية الخضراء) بأنها أشبه بأرخبيل، لم تتحدد جُزره بالعوامل المناخية وحدها، بل لعبت الجيولوجيا دورا مماثلا في تحديدها. ومن ثم، يُحتمل أن انتشار البشر حدث بين هذه الجزر التي اجتمعت فيها المياه والأحجار المناسبة، بينما توقفت حركة الانتشار عندما أصبحت المسافة الفاصلة بينها أكبر من قدرة المجموعات البشرية على اجتيازها والاستمرار في العيش بعدها، ويوفر ذلك تفسيرا محتملا لقصر ومحدودية الانتشار الجغرافي لموجات الانتشار البشري في شبه الجزيرة العربية، حتى عندما كانت الظروف المناخية ملائمة، كما قد يفسر لماذا مثلت صحراء "الربع الخالي" حاجزا أمام البشر، حتى في الفترات التي احتوت فيها على بحيرات".

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر