قبل النفط، وقبل أن تصبح الوثيقة شرطاً لإثبات الانتماء، كانت في الخليج حكايات عيش لا تختصرها مراكب الغوص على اللؤلؤ. من إحدى هذه الحكايات، ومن تربة حمراء تُستخرج من الأرض، اختارت الكاتبة الإماراتية مريم الزرعوني مدخلاً لروايتها "سنوات المغر – هوامش من سيرة الغريب"، الفائزة بجائزة أفضل كتاب إماراتي في فئة الرواية ضمن الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026.
في الرواية، يتنقّل "غريب" بين أمكنة الخليج، باحثاً عن رزق أوسع، فيما يتغيّر العالم الذي يعبره: تتشكّل الدول، وتُرسم الحدود، ويجد الإنسان الذي اعتاد الارتحال نفسه أمام ضرورة امتلاك أوراق واختيار مكان للاستقرار. تحوّلات كبرى تقترب منها الزرعوني عبر مصير فرد، وتختبر أثرها في علاقاته ووعيه بنفسه.
التقتها "النهار" على هامش المعرض، في حديث عن الرواية الصادرة عن مركز أبوظبي للغة العربية ضمن برنامج "قلم"، وعن قارئة بدأت بالشعر، وجذبتها اللوحة والمنحوتة، قبل أن تمنح الكتابة الحصة الأكبر من وقتها.
طفلة تقرأ كتب أمّها المدرسية
حين تُسأل الزرعوني عمّا دفعها إلى الكتابة، تعود إلى القراءة بوصفها تراكمات احتاجت، في لحظة ما، إلى منفذ. كانت الأفكار والحوارات الداخلية تتزاحم، حتى لم يعد الاكتفاء بالتلقّي ممكناً. سبق الشعرُ الروايةَ، لكن الدافع كان واحداً: العثور على صيغة لما يتكوّن في الداخل.
تستعيد طفولتها في أسرة صغيرة، ووقتاً كانت فيه خيارات الترفيه محدودة، والبث التلفزيوني ينقطع ثم يعود. في البيت، كان الكتاب رفيقاً متاحاً، واتّسعت القراءة تدريجاً من قصص الأطفال إلى نصوص تتجاوز سنّها.
كان لأمّها دور خاص في هذه العلاقة؛ إذ تابعت دراستها بعد زواجها المبكر، فوجدت الطفلة نفسها محاطة بكتب المرحلة الثانوية وهي لا تزال في الابتدائية. حاولت قراءة ما لم تكن تفهمه، وكانت الأم تشرح المفردات والمعاني. ترى الزرعوني أن تلك الخبرة المبكرة ربما استقرّت في اللاوعي، وأسّست لما ستكتبه لاحقاً.
أما النشر فجاء متأخراً قياساً إلى علاقتها بالقراءة. كتبت على منصات التواصل، وتلقّت تشجيعاً من كتّاب تواصلت معهم افتراضياً، ما منحها ثقة بإمكان تقديم نصوصها إلى جمهور أوسع. ثم تزامنت فرصة للنشر بدعم من وزارة الثقافة مع مشاركتها في ورشة للكتابة لليافعين، فخرجت تجاربها الأولى إلى القرّاء.
لماذا "المغر"؟
كان مشروع "سنوات المغر" مؤجّلاً في ذهنها. أرادت الاقتراب من مساحة شعرت بأنها لم تُستكشف بما يكفي في السرد الإماراتي، بعدما تناول كتّاب كثيرون حياة ما قبل النفط والغوص والصيد.
جاء بحثها من جهتين: جغرافيا الجزر، ومصادر الرزق التي عرفها أهل المنطقة خارج المهن الأكثر حضوراً في الذاكرة الأدبية. وخلال قراءاتها، عثرت على معلومات عن استخراج المغر واستثماره، فوجدت المادة التي يمكن أن تنطلق منها الحكاية.
تشرح أن المغر تربة تميل إلى الحمرة أو الصفرة لاحتوائها على مركّبات الحديد، وأن وجودها بكثافة في بعض المناطق أتاح استخراجها والاتجار بها. هكذا اجتمع المكان والمهنة، وبدأ بناء العالم الروائي.
اختارت جزيرة أبو موسى فضاءً أساسياً في الحكاية، لصلتها بهذه المادة، ولرغبتها في تعريف القارئ العربي بجانب من تاريخ المكان. وامتدّ زمن الرواية من ثلاثينات القرن الماضي إلى الثمانينات، متتبّعاً حياة الشخصية الرئيسة على وقع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لا تقدّم الزرعوني رحلة بطلها باعتبارها سيرة موثّقة؛ فالوقائع التاريخية والاجتماعية تشكّل أرضية لشخصية متخيّلة، تتحرّك برغباتها وأخطائها، وتتحمّل نتائج اختياراتها.
حين تضيق الجغرافيا بالأوراق
يغادر "غريب" بحثاً عن مورد مالي أفضل. لكن الرحلة لا تسير وفق خطّة محكمة، تتّخذ أحياناً مسارات عشوائية وعبثية، وتنشأ خلالها علاقات وزيجات وانفصالات، فيما تترك الأمكنة المتعاقبة أثرها في شخصيته.
يشغل الزرعوني ما يحدث للإنسان وسط هذا التبدّل. فقيام الدول الحديثة بعد المجتمعات القبلية يغيّر شروط الحركة والإقامة والانتماء. يصبح على بطلها استخراج الوثائق وتحديد المكان الذي سيستقر فيه، بعدما كان الانتقال بين جغرافيات المنطقة أكثر انفتاحاً.
الجوائز تُكافئ جودة الكتابة
أمام سؤال عن التوفيق بين اندفاع الإمارات نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي والاهتمام الأدبي بالتراث، تتوقّف الزرعوني أولاً عند افتراض أن الجوائز تذهب إلى الأعمال المرتبطة بالماضي.
تختلف مع هذا التعميم، وترى أن التحكيم يقوم على جودة العمل واستجابته للمعايير الفنية الخاصة بجنسه الأدبي، سواء تناول التراث أو الحداثة. فالموضوع وحده لا يمنح النص استحقاقه.
في المقابل، تؤكّد وجود اهتمام مؤسسي ومجتمعي بحفظ الموروث، عبر الإعلام والتعليم والبرامج الثقافية، وبصون العادات والممارسات الشعبية. وقد يلتقي هذا الاهتمام بعمل أدبي يفوز بجائزة، لكن قيمة الكتابة تظلّ، في رأيها، أساس الحكم عليه.
تضع هذه الإجابة روايتها في إطار أوسع من استعادة مهنة قديمة أو بيئة غائبة، إذ تتيح خلفيتها الاقتصادية والاجتماعية متابعة الإنسان وهو يتكيّف مع عالم يتغيّر من حوله.
بين الكتابة واللوحة والمنحوتة
إلى جانب الشعر والسرد، مارست الزرعوني التشكيل والنحت. بدأت العلاقة بزيارة المعارض والمتاحف، في الإمارات وخلال أسفارها، ثم تحوّل الفضول إلى قراءة عن الفنانين والمدارس الفنية، والتحاق بورش وبرامج دراسية، وصولاً إلى الممارسة والمشاركة في معرض مشترك.
حين تُسأل عن تعدّد اهتماماتها، تستعين بصورة من داخل التجربة: مَن يقف بعيداً عن الجبل يستطيع رؤية هيئته كاملة، فيما ينشغل الموجود في داخله بالتفاصيل. هكذا تنظر إلى تنقّلها بين الفنون، رغبة في التجريب والاكتشاف، ومتابعة ما يثير اهتمامها إلى أقصى ما تستطيع.
لكن الوقت فرض عليها ترتيب الأولويات. أدركت صعوبة التقدّم بالسرعة نفسها في مسارات عدّة، ولا سيما أن النحت يتطلّب مراحل طويلة وجهداً متواصلاً. فاختارت تركيز طاقتها في الكتابة، وأبقت صلتها بالفن عبر مقالات النقد التشكيلي.
قارئ صغير يحتاج إلى تجربة
قادها تنوّع الكتابة إلى الأطفال واليافعين أيضاً، ومن أعمالها "رسالة من هارفرد"، الحائزة جائزة العويس للإبداع عام 2018، وكتاب الأطفال "أبي الكناري الكبير"، إلى جانب ديواني "تمتمات" و"لم يعد أمراً ذا أهمية".
في تجربتها مع القرّاء الصغار، وجدت أن القراءة تزداد جاذبية حين تقترن بخبرة حيّة. تستعيد مثالاً عن تقديم قصة تتناول طائراً مع إحضار الطائر نفسه؛ إذ يفتح اللقاء باب الفضول، ويمنح الطفل سبباً للسؤال والعودة إلى الكتاب. لذلك ترى أهمية إحاطة القراءة بأنشطة ورحلات وتجارب تصل الحكاية بالعالم المحسوس.
وتشدّد، في ختام الحديث، على دور الجهات الداعمة للكاتب، مستشهدة بمركز أبوظبي للغة العربية الذي أصدر روايتها. تقدّر في هذه العلاقة ما يتجاوز طباعة الكتاب إلى مساعدته على الانتشار وفتح فرص الوصول إلى قرّاء آخرين.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر