يتناول برنامج تلفزيوني ألماني اسمه "وداعا ألمانيا" (!Goodbye Deutschland) شعورًا متجذراً في الوعي الجمعي للبلاد مفاده أنّ "الحياة في مكان آخر تبدو دائمًا أفضل وأكثر حرية وأقل تعقيدًا". ويدفع بعضَ الألمان إلى الهجرة ضيقُهم من البيروقراطية وارتفاع الضرائب، بينما يسعى آخرون ببساطة إلى مناخ أكثر دفئًا. وليس من قبيل المصادفة أن تمتلك اللغة الألمانية مصطلحًا خاصًا للتعبير عن الشوق أو الحنين إلى الأماكن البعيدة هو "Fernweh"، وهو شعور يبدو راسخًا في الثقافة الألمانية. وقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" (YouGov) العام الماضي أن أكثر من نصف الألمان يمكنهم تصور العيش خارج بلادهم يوماً ما.
الانتقال إلى دول الجوار
تبدو الهجرة وكأنها مغامرة، وكأنها انطلاق إلى العالم الواسع؛ لكنّ الهجرة بالنسبة لمعظم المهاجرين الألمان تعني في الواقع: الانتقال عبر الحدود إلى النمسا أو إلى سويسرا، حيث لا يحتاجون حتى إلى تعلم لغة أجنبية للتأقلم. فقد حلت هاتان الدولتان الجبليتان المجاورتان منذ بضع سنوات محل الولايات المتحدة كوجهة مفضلة للمهاجرين الألمان. أما بين المتقاعدين فقط، فما زالت إسبانيا الخيار الأكثر شيوعًا، بحسب ما ذكرت صحيفة فرانكفورتر ألغماينه في مقال لها هذا الأسبوع.
نزيف الشباب: أكثر الفئات إنتاجًا تريد المغادرة
لا يقتصر طموح كثير من الشباب الراغبين في الهجرة على البحث عن تقاعد مريح أو مستوى معيشة أفضل، بل يتطلعون إلى بناء مستقبل أكثر ازدهارًا خارج بلادهم. ويعكس هذا التوجه اتساع جاذبية الهجرة بين الأجيال الشابة، وفق ما أشار إليه الخبير الاقتصادي شتيفان كوليف، رئيس منتدى لودفيغ إرهارد في برلين، ففي مقابلة مع صحيفة فرانكفورتر ألغماينه زونتاغس تسايتونغ، قال كوليف: "عندما أسأل طلابي في الندوات عن أصدقائهم الذين يفكرون في الهجرة، يكاد الجميع يرفع يده". وأضاف مستشهدًا بنتائج استطلاعات الرأي: "ما يصل إلى نصف الشباب يتخيلون لأنفسهم حياة في الخارج ونصف هؤلاء لديهم خطط محددة. وعندما يتم التعمق في الاستفسار غالبا ما تكون الأسباب الاقتصادية هي البارزة".
وتدعم بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء هذا الانطباع، ففي العام الماضي 2025، غادر نحو 289 ألف مواطن ألماني البلاد، وهو أعلى عدد من المهاجرين الألمان يُسجل منذ سنوات. بينما عاد أو انتقل إليها العام الماضي نحو 192 ألفًا فقط، ما أسفر عن صافي هجرة سالب يقارب 97 ألف شخص، وهو استمرار لاتجاه قائم منذ عام 2005 يتمثل في مغادرة عدد من الألمان يفوق عدد العائدين منهم.
والأهم أن الغالبية العظمى من المغادرين تنتمي إلى الفئة العمرية بين 18 و45 عامًا، أي إلى الشريحة الأكثر قدرة على العمل والإنتاج والابتكار، والتي يُفترض أن تسهم في دعم الاقتصاد ودفع عجلة التنمية خلال السنوات المقبلة.
نزوح مزدوج: مواطنون ومهاجرون يديرون ظهورهم لألمانيا
ومن المؤكد أن هذا الاتجاه ليس قدرًا لا يمكن تغييره، وأن ألمانيا لن تبقى بالضرورة أقل جاذبية إلى الأبد. غير أن الصورة الراهنة لا تبدو مطمئنة لصناع القرار. فليس المواطنون الألمان وحدهم من يديرون ظهورهم للبلاد، بل بدأت مؤشرات التراجع تظهر أيضًا بين بعض فئات المهاجرين الذين شكلوا لسنوات طويلة دعامة مهمة لسوق العمل.
كما تتزايد مؤشرات العزوف عن ألمانيا بين مواطني أوروبا الشرقية، الذين مثّلوا لعقود أحد أهم مصادر العمالة الوافدة وأسهموا في دعم قطاعات اقتصادية حيوية. واليوم، وللمرة الأولى منذ سنوات، أصبح عدد البولنديين والرومانيين والبلغاريين المغادرين لألمانيا أكبر من عدد مواطنيهم القادمين إليها، في تطور يعكس تراجع جاذبية أكبر اقتصاد أوروبي بالنسبة إلى جزء من القوى العاملة الأجنبية.
وجهات عربية على خريطة الهجرة الألمانية
وتأتي إسبانيا في صدارة الوجهات التي يفضلها الألمان للهجرة، تليها كندا وسويسرا. كما بدأت بعض الدول العربية في فرض حضورها على خريطة الهجرة الألمانية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة. وتربط تقارير ألمانية هذا التوجه بمجموعة من العوامل، أبرزها المزايا الضريبية، والفرص المهنية الواعدة في قطاعات التكنولوجيا والتمويل والخدمات. وتشير تقارير متخصصة في شؤون الهجرة إلى تنامي اهتمام الألمان بالانتقال إلى مدينتي دبي وأبوظبي.
ويساهم في تعزيز هذا التوجه وجود جالية ألمانية نشطة ومؤسسات اقتصادية ألمانية راسخة في الإمارات، من بينها غرفة الصناعة والتجارة الألمانية الإماراتية (AHK)إلى جانب شبكات وجمعيات اجتماعية ومهنية للناطقين بالألمانية في دبي وأبوظبي.
ولا يقتصر الحضور الألماني في العالم العربي على دول الخليج. ففي مدينة الغردقة المصرية، على ساحل البحر الأحمر، برز خلال السنوات الأخيرة مجتمع ألماني لافت يضم مقيمين ومتقاعدين وعاملين لا سيما في مجال السياحة. وقد بلغ هذا الحضور من الوضوح أن أحد سياسيي حزب "البديل من أجل ألمانيا"، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الهجرة، أعلن قبل أشهر عزمه الانتقال للعيش في المدينة، في مفارقة تعكس جاذبية بعض الوجهات العربية حتى بالنسبة إلى شخصيات تنتمي إلى تيارات سياسية تنتقد الهجرة في الداخل الألماني.
هل تواجه ألمانيا أزمة ديموغرافية جديدة؟
ورغم هذه التحولات، لا تزال ألمانيا بلدًا جاذبًا للهجرة، إذ إن عدد الوافدين إليها من الخارج ما زال يفوق عدد المغادرين. غير أن هذا الفائض لم يعد كافيًا في السنوات الأخيرة لتعويض الخسارة الديموغرافية الناجمة عن عاملين متزامنين: استمرار انخفاض معدلات المواليد منذ منذ عام 1972، وتزايد هجرة المواطنين الألمان إلى الخارج منذ عام 2005. وبحسب هذه المعطيات، تحتاج ألمانيا إلى تدفق أعداد إضافية من المهاجرين للحفاظ على استقرار حجم سكانها وقوتها العاملة.
وتنظر الحكومة الاتحادية إلى تراجع أعداد طالبي اللجوء باعتباره نجاحًا سياسيًا وإداريًا، لا سيما في ظل الجدل المحتدم حول الهجرة واستغلال هذا الملف من قبل حزب "البديل من أجل ألمانيا". إلا أن التركيز على خفض أعداد الوافدين يثير في المقابل تساؤلات ديموغرافية واقتصادية، إذ إن استمرار تباطؤ النمو السكاني أو تحوله إلى انكماش قد يخلق تحديات جديدة لا تقل خطورة عن مشكلات الاكتظاظ. فكما أن ازدحام المدارس يمثل عبئًا على البنية التحتية، فإن تراجع أعداد التلاميذ إلى حد إغلاق المدارس أو تركها شبه خالية قد تكون له تبعات أكبر على المدى الطويل، بحسب مقال لصحيفة فرانكفورتر ألغماينه يتحدث عن مغادرة الشباب ألمانيا.
ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة ليست غير مسبوقة في التاريخ الألماني. فقد شهدت البلاد خلال بعض سنوات السبعينيات والثمانينيات تراجعًا في عدد السكان أيضًا. لكن المقارنة التاريخية الأجدى اليوم تتعلق بطبيعة موجات الهجرة نفسها، إذ تختلف الظروف الديموغرافية والاقتصادية الحالية عن تلك التي عرفتها ألمانيا في العقود الماضية، ما يجعل آثار الهجرة والنزوح السكاني أكثر أهمية في رسم ملامح مستقبل البلاد.
من مجاعات القرن التاسع عشر إلى هجرة الكفاءات اليوم
في مدينة بريمرهافن بشمال ألمانيا يقع متحف الهجرة الألمانية المعروف باسم "بيت المهاجرين الألمان" (Deutsches Auswandererhaus)، والذي يوثق عبر أرشيفه ومعروضاته نحو ثلاثة قرون من تاريخ الهجرة الألمانية. ويشير المتحف إلى أن عام 1854 شهد مغادرة نحو 239 ألف شخص، وهو رقم قياسي جرى تجاوزه في عام 2025 بنحو 60 ألف مهاجر إضافي. ومع ذلك، فإن التشابه يقتصر على الأرقام فقط، إذ تختلف الدوافع والظروف بين الحقبتين بصورة جذرية. ففي منتصف القرن التاسع عشر، دفعت المجاعات والفقر وانعدام الفرص أعدادًا كبيرة من الألمان إلى الرحيل نحو وجهات بعيدة، في رحلات محفوفة بالمخاطر ومصير مجهول. أما اليوم، فتغذي الهجرة في الغالب اعتبارات مهنية واقتصادية ورغبة في البحث عن فرص أفضل ونوعية حياة أكثر جاذبية.
وبالمناسبة كانت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر الوجهة الأهم للمهاجرين الألمان بفارق كبير تليها كندا وأستراليا. أما في سويسرا أو النمسا فلم يكن أحد تقريبا يتوقع مستقبلا أفضل في تلك السنوات.
وفي النهاية، تظل الهجرة رهانًا على المجهول. فقد تكون بداية تجربة ناجحة ومثرية، وقد تنتهي بخيبة أمل قاسية. وربما لا يدرك هذه الحقيقة أكثر من متابعي برنامج "وداعًا ألمانيا"، الذي يكشف باستمرار الوجه الآخر للحلم. فكثيرًا ما يقود الإفراط في الثقة بالنفس، وضعف الاستعداد اللغوي، والخطط غير المدروسة بعض المهاجرين إلى تعثرات مؤلمة، بحيث يرى المشاهد أحيانًا الفشل يقترب قبل أن يدركه أصحابه أنفسهم.
م.أ.م/ صلاح شرارة
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر