تتجه المواجهة بين الحزب الديمقراطي والرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى جبهة جديدة عنوانها الرسوم الجمركية، بعدما أظهرت نتائج انتخابات التجديد النصفي رفضا شعبيا متزايدا لسياساته التجارية، ومنحت الديمقراطيين فرصة لاستعادة زمام المبادرة في الكونغرس.

وبينما يتعهد قادة الحزب بالتراجع عن الرسوم التي يرون أنها رفعت تكاليف المعيشة وأضرت بالمستهلكين والشركات، يخططون لاستخدام أغلبيتهم المقبلة لفرض قيود على صلاحيات الرئيس التجارية، بدءا من الرسوم المفروضة على الواردات الكندية.

اختبار لتوازن السلطات

ولا تبدو المعركة مجرد خلاف على أدوات السياسة التجارية، بل اختبارا أوسع لتوازن السلطات في واشنطن، وحدود قدرة الكونغرس على استعادة صلاحيات دستورية انتقلت تدريجيا إلى البيت الأبيض، غير أن الطريق إلى تحقيق هذه الأهداف لن يكون سهلا، في ظل احتفاظ ترمب بحق النقض الرئاسي، والانقسامات داخل الحزبين بشأن جدوى الرسوم الجمركية وحدود استخدامها.

أخبار مقترحة

  • An audience member wears a MAGA hat at a midterm election rally to support Republican US Senate candidate Ken Paxton, in Lubbock, Texas, US October 27, 2026. REUTERS/Kaylee Greenlee
    هزيمة الجمهوريين تفجّر صراع القيادة.. هل تتراجع هيمنة "ماغا"؟
  • التحالف مع إسرائيل يدخل دائرة المساءلة.. تحول نادر يعبر الحزبين في واشنطن

وفي تحليل نشرته صحيفة واشنطن بوست، يرى ديفيد ج. لينش أن الرسوم الجمركية كانت من أبرز الخاسرين في الانتخابات، بعدما خلص نحو ثلثي الناخبين إلى أن الرسوم الشاملة التي فرضها ترمب أضرت بالاقتصاد الأمريكي، وفقا لاستطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع.

وبرز أثر هذا الرفض -وفقا للينش- في ولايتي ميشيغان وماين، حيث تعثر مرشحو الجمهوريين لمجلس الشيوخ بسبب صعوبة الدفاع عن السياسة التجارية للرئيس، كما أسهم غضب المزارعين من تضرر أسواق صادراتهم، بسبب الحروب التجارية التي شنها ترمب، في إسقاط مرشحي الجمهوريين وتحقيق الديمقراطيين انتصارات في ولايتي كانساس وآيوا.

وتشير هذه النتائج إلى أن السياسة التي قدّمها ترمب باعتبارها وسيلة لحماية الوظائف والصناعة الأمريكية تحولت إلى عبء انتخابي، خصوصا مع ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

أظهرت الانتخابات تحولا في مواقف ناخبي الطبقة العاملة الذين شكلوا إحدى ركائز التحالف الانتخابي لترمب عام 2024. وانتقلت الأفضلية بين الناخبين الذين لا يحملون شهادات جامعية لمصلحة الديمقراطيين بفارق نقطتين، بعد أن كان ترمب قد تقدم على كامالا هاريس بينهم بأكثر من 12 نقطة في الانتخابات السابقة

بواسطة ديفيد لينش

الطبقة العاملة تتحول عن الجمهوريين

فقد أظهرت الانتخابات تحولا في مواقف ناخبي الطبقة العاملة الذين شكّلوا إحدى ركائز التحالف الانتخابي لترمب عام 2024. ووفقا للينش، انتقلت الأفضلية بين الناخبين الذين لا يحملون شهادات جامعية لمصلحة الديمقراطيين بفارق نقطتين، بعد أن كان ترمب قد تقدم على كامالا هاريس بينهم بأكثر من 12 نقطة في الانتخابات السابقة.

وكانت الرسوم قد بلغت أعلى مستوياتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تتراجع إلى نحو 12%، لكنها ظلت مرتفعة بما يكفي لإثارة مخاوف الشركات والمستهلكين.

ويشير محللون اقتصاديون مستقلون إلى أن الأمريكيين تحملوا القسم الأكبر من تكاليفها، خلافا لتأكيدات ترمب ومستشاريه بأن الشركات الأجنبية هي التي تدفعها.

كما أظهرت التجربة أن الشركات الكبرى استطاعت الحصول على إعفاءات عبر علاقاتها بالبيت الأبيض، في حين واجهت الشركات الصغيرة ارتفاعا في تكاليف المعدات والمكونات الأساسية.

ورغم أن الاقتصاد الأمريكي سجل نموا سنويا بلغ 3.4% بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، فإن هذا الأداء لم يبدد الاستياء الشعبي، كما أن انتعاش التوظيف الصناعي الذي احتفى به البيت الأبيض ظل محدودا، إذ بقي عدد العاملين في قطاع التصنيع أقل بأكثر من 250 ألف وظيفة من ذروته خلال إدارة جو بايدن.

ويرى محللون أن طفرة الذكاء الاصطناعي، وليس الرسوم الجمركية، كانت العامل الأبرز وراء التحسن المحدود في التوظيف الصناعي.

المنتجات الكندية أولوية

وفي هذا السياق، يضع الديمقراطيون الرسوم المفروضة على المنتجات الكندية في مقدمة أهدافهم التشريعية، وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال -في تقرير لغافين بايد- أن السيناتور الديمقراطي رون وايدن، العضو البارز في لجنة المالية بمجلس الشيوخ، بدأ مشاورات مع زملائه لإعداد تشريع يستهدف إلغاء هذه الرسوم، مؤكدا أن هناك دعما واسعا لإلغائها.

ويعتزم وايدن التحرك عندما يستعيد الديمقراطيون السيطرة على اللجنة في يناير/كانون الثاني المقبل.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن الرسوم على كندا أثارت اعتراضات حتى داخل الحزب الجمهوري، ولا سيما في الولايات الحدودية مثل ميشيغان وماين وألاسكا، حيث أصبحت القضية محورا انتخابيا دفع بعض المرشحين الجمهوريين إلى الابتعاد عن سياسة ترمب.

ويراهن الديمقراطيون على تحويل هذا الاعتراض إلى انشقاقات جمهورية تتيح تمرير تشريع يحظى بدعم الحزبين، وربما توفر أصواتا كافية لتجاوز الفيتو الرئاسي إذا اتسع نطاق المعارضة.

الحسابات التشريعية معقدة

لكن الحسابات التشريعية تظل معقدة؛ إذ يحتاج أي مشروع قانون إلى 60 صوتا في مجلس الشيوخ لتجاوز التعطيل، ثم إلى أغلبية الثلثين في المجلسين لتجاوز الفيتو الرئاسي.

وحتى مساء الخميس، كان الديمقراطيون قد حصدوا 253 مقعدا في مجلس النواب و54 مقعدا في مجلس الشيوخ، وهي أرقام تمنحهم نفوذا سياسيا كبيرا، لكنها لا توفر وحدها القدرة على فرض تغيير شامل في السياسة التجارية للرئيس.

ولا يقتصر تحركهم على الرسوم الكندية، فهناك مقترحات لمراجعة الصلاحيات القانونية التي استند إليها ترمب في فرض رسومه، ومنها المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، التي استخدمها لتبرير الرسوم على كندا، والمادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، التي لجأ إليها لفرض رسوم مؤقتة.

كما تحدثت النائبة الديمقراطية عن ميشيغان ديبي دينغل عن اتصالات بشأن تشريعات تستهدف هذه الرسوم، فيما تعهد المسؤول الديمقراطي البارز في لجنة الطرق والوسائل بمجلس النواب النائب ريتشارد نيل، بالتحرك ضد الرسوم التي ترفع الأسعار.

غير أن الخلافات لا تختفي داخل المعسكر الديمقراطي نفسه، فالحزب لا يعارض الرسوم من حيث المبدأ، بل يعترض بصورة أساسية على استخدامها الواسع والعشوائي.

ويؤيد عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي فرض رسوم انتقائية لحماية صناعات إستراتيجية، مثل الصلب والألومنيوم والقطاعات المرتبطة بالأمن القومي، فضلا عن مواجهة الدعم الحكومي الصيني للصادرات الصناعية.

ولذلك، فإن إلغاء الرسوم على كندا قد يكون هدفا توافقيا، بينما تظل إعادة صياغة القوانين التي تمنح الرئيس سلطات واسعة في التجارة أكثر صعوبة.

صعوبة تخلي ترمب عن رسومه

وتحذر شخصيات عملت في الإدارات الأمريكية السابقة من أن ترمب لن يتخلى بسهولة عن برنامجه التجاري لمجرد تغير موازين القوى في الكونغرس.

ونقلت وول ستريت جورنال عن كيلي آن شو التي عملت في المجلس الاقتصادي الوطني خلال ولايته الأولى، قولها إن الرئيس مضى في تنفيذ أجندته التجارية بصرف النظر عن تركيبة الكونغرس، وإنها لا تتوقع أن يتراجع عنها، بل إن إدارته تستعد لتوسيع استخدام الرسوم، بما في ذلك إجراءات جديدة تستهدف الصين واقتصادات أخرى، ورسوم محتملة على الروبوتات الصناعية والأجهزة الطبية.

وفي قراءة أوسع للمواجهة، يرى ألكسندر بولتون في صحيفة "ذا هيل" أن الديمقراطيين يستعدون لاستخدام أغلبيتهم المقبلة لشن مواجهة متعددة الجبهات مع ترمب، تشمل التجارة والإنفاق الحكومي والحرب مع إيران، إلى جانب ملفات الرعاية الصحية والهجرة.

ويتوقع بولتون أن تتراوح أغلبية الحزب في مجلس الشيوخ بين 54 و56 مقعدا، وأن تبلغ 255 مقعدا على الأقل في مجلس النواب، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على تعطيل أجندة الرئيس وفتح تحقيقات في سياساته.

وأكد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر أن الناخبين يريدون خفض تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد ووضع حد للفوضى التي يرونها في الداخل والخارج.

كما تعهد زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز بالتحرك سريعا، واضعا وقف رسوم ترمب ضمن أولويات الحزب.

لكن الديمقراطيين يدركون أن الإفراط في التحقيقات السياسية والسعي إلى الانتقام من الرئيس قد يبددان المكاسب الانتخابية، ويحذر شومر وجيفريز من الابتعاد عن قضية تكاليف المعيشة التي كانت حاسمة في جذب الناخبين، مؤكدين أن خفض الأسعار ومكافحة الفساد يجب أن يظلا في صدارة الأولويات.

مسار آخر.. اللجوء للمحاكم

ومن زاوية دستورية، يطرح القاضي المتقاعد توماس موكوشير -في مقال رأي نشرته نيوزويك- مسارا آخر لمواجهة سياسات ترمب، يتمثل في اللجوء إلى المحاكم بدلا من الاكتفاء بمشروعات القوانين التي يستطيع الرئيس تعطيلها باستخدام الفيتو.

ويرى موكوشير أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تمنح المؤسسة التشريعية فرصة لرفع دعاوى قضائية مباشرة ضد الرئيس، للطعن في تجاوز صلاحياتها الدستورية، خصوصا فيما يتعلق بالضرائب والإنفاق والرسوم الجمركية.

ويجادل موكوشير بأن سلطة فرض الضرائب والرسوم تعود دستوريا إلى الكونغرس، وأن استخدام الرئيس لهذه الصلاحيات بصورة منفردة يمثل تعديا على اختصاصات السلطة التشريعية، ومن ثم يمكن للكونغرس أن يطلب من المحاكم حسم حدود سلطات الرئيس، بما في ذلك الطعن في قراراته المتعلقة بالرسوم والإنفاق الذي أقره المشرعون.

وهكذا، تبدو المعركة المقبلة أكبر من مجرد محاولة لإلغاء رسوم جمركية أثارت غضب الناخبين؛ إنها مواجهة حول من يملك رسم السياسة الاقتصادية الأمريكية، الرئيس أم الكونغرس.

وبينما يراهن الديمقراطيون على استثمار انتصارهم الانتخابي لتقييد ترمب، فإن نجاحهم سيظل مرهونا بقدرتهم على استقطاب جمهوريين، وتجاوز انقساماتهم الداخلية، وإقناع الناخبين بأنهم قادرون على تقديم بديل اقتصادي وتشريعي لا يكتفي بمعارضة الرئيس، بل يعالج أيضا الأعباء التي دفعت الأمريكيين إلى معاقبة حزبه انتخابيا.