يسهل أن نفتح الباب لمن يشبهنا. أمّا استقبال مَن يحمل أفكاراً ومعتقدات مختلفة، فيضع الضيافة أمام امتحانها الأصعب: ما المساحة التي نمنحها له؟ وما الشروط التي نطلب منه قبولها؟ يمتدّ السؤال من عتبة البيت إلى حدود الدول، ومن العلاقة الشخصية بالغريب إلى قوانين اللجوء والمواطنة وتنظيم الحياة المشتركة.

هذه الأسئلة حضرت في المؤتمر الدولي المتعدّد الاختصاصات "التباسات الضيافة: الأبعاد الأخلاقية والسياسية والاجتماعية"، الذي نظّمه قسم الفلسفة في كلية الآداب والعلوم في جامعة الروح القدس – الكسليك، من 19 إلى 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومتخصّصين من لبنان وفرنسا وسويسرا.

وعلى مدى ثلاثة أيام، تناول المؤتمر التوتر الذي يحكم استقبال الآخر: ضيافة غير مشروطة بوصفها مطلباً أخلاقياً، وأخرى ترسم حدودها الاعتبارات القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتوزّعت جلساته على قضايا العلاقات الدولية واللجوء والهوية والتربية والتعدّدية الثقافية، واللقاء الروحي في المسيحية والإسلام، وصولاً إلى التحديات الرقمية المعاصرة.

 

 

للحوار موعد رغم الحرب

كان المؤتمر مقرّراً في الربيع، قبل أن تتسبّب الحرب في تأجيله إلى الخريف، وفق ما أوضحت العميدة المشاركة ورئيسة قسم الفلسفة الدكتورة كارين نصر دمرجيان. وأعطى هذا التأجيل النقاش صلة مباشرة بواقع يهدّد فيه العنف الروابط الإنسانية ويعمّق المسافات بين الشعوب.

وفي كلمتها الافتتاحية، رأت دمرجيان في انعقاد المؤتمر تمسّكاً بمساحات الحوار والتفكير المشترك، وتوقّفت عند صعوبة التوفيق بين أخلاقيات الاستقبال غير المشروط وما تفرضه المسؤوليات العامة من ضوابط. وشدّدت على مقاربة تحفظ كرامة الإنسان وتراعي المسؤولية السياسية ومتطلّبات الخير العام.

حضر الافتتاح النائب البطريركي على نيابة صربا المارونية المطران بولس روحانا، وممثّل وزير الثقافة غسان سلامة، جاد تابت، ونائبة رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية الدكتورة ريما مطر، وعميد كلية الآداب والعلوم الأب الدكتور فريد المجبّر، إلى جانب أساتذة وطلاب.

 

 

ماري فياض: أيّ مكان للغريب في عالمنا؟

أعادت البروفسورة ماري فياض، الرئيسة السابقة لقسم الفلسفة وصاحبة مبادرة المؤتمر ومنظّمته، الضيافة إلى معناها السياسي المتّصل بالحياة في المدينة والعلاقة بأهلها والوافدين إليها. فالاستقبال، في مقاربتها، يضع الإنسان أمام احتمالات متعارضة: صداقة قد تنشأ من اللقاء، وخوف قد يحوّل الغريب إلى عدوّ محتمل.

يحضر هذا التوتر في العلاقات بين الأفراد كما في العلاقات بين الدول والمجتمعات. وحذّرت فياض من اختلال التوازن بين الانفتاح والعداء، حين يصبح الاختلاف مدخلاً إلى صراعات يدمّر أطرافها بعضهم بعضاً، ويصيب الدمار العالم الذي يتقاسمونه.

من هنا، دعت إلى مراجعة علاقة الإنسان بذاته وبالمختلف عنه وبالطبيعة وبالمطلق. وتوقّفت عند ميلنا إلى مشاهدة هذا العنف كأنّنا خارج أحداثه، فيما نشارك، بأشكال مختلفة، في صنع العلاقات التي تتيح استمراره.

وفي صلب كلمتها، طرحت فكرة تعلّم الجوار مع الغريب: كيف ننشئ عالماً مشتركاً مع مَن لا تجمعنا بهم ألفة سابقة أو هوية واحدة؟ وكيف نعترف بالاختلاف ونحافظ على القيم الإنسانية الكونية؟

امتدّت هذه الأسئلة إلى مفاهيم الأمّة والمواطنة والسيادة والحدود، وإلى التحوّلات التي تصيب مفهوم الإنسان مع صعود تيارات ما بعد الإنسانية. وأكّدت فياض أنّ الحق في الضيافة لا ينفصل عن حقوق الآخرين، داعيةً إلى حوار بين الاختصاصات يتيح مزيداً من الانفتاح والتضامن.

 

الاختلاف يدخل قاعات الجامعة

من جهته، تناول الأب فريد المجبّر الضيافة باعتبارها استعداداً للقاء قد يغيّر نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم. فاستقبال الآخر يتطلّب الإصغاء إليه، وقبول احتمال أن تدفعنا أفكاره إلى مراجعة مسلّماتنا.

ووضع المجبّر الجامعة أمام دورها في احتضان الأفكار المختلفة وإتاحة الحوار حولها، والتعامل مع الاختلاف بوصفه فرصة للتعلّم. واستعرض تعدّد المداخل إلى الموضوع، من الفلسفة والطب النفسي والأنثروبولوجيا إلى الدبلوماسية والأدب والترجمة والتربية والذكاء الاصطناعي.

جاء تنوّع جلسات المؤتمر امتداداً لهذه المقاربة، إذ انتقل النقاش من استقبال الآخر في السياقات النفسية والاجتماعية إلى حضوره في التجربة الدينية، ومن العلاقة بالغريب إلى السياسات التي تنظّم وجوده وحقوقه.

 

جاد تابت: مجتمعات تحتاج الآخر وتخشاه

في كلمة اختتمت الافتتاح، نقل جاد تابت تحيات وزير الثقافة غسان سلامة وتقديره لتنظيم مؤتمر يضع الضيافة في النقاش العام، في وقت تتقدّم فيه نزعات الانغلاق والرفض.

وربط تابت هذه النزعات بالحروب والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية واتّساع اللامساواة وتراجع أنظمة التنظيم الدولي. ورأى أنّ موجات الهجرة المصاحبة لهذه الأزمات تدفع مجتمعات إلى النظر إلى الأجنبي بوصفه منافساً على الموارد أو تهديداً للمصالح، فتضيق فرص الاعتراف به شريكاً في الحياة المشتركة.

ولفت إلى أنّ العولمة وانفتاح الأسواق وسرعة تداول المعلومات والصور لم تضمن تفاهماً أوسع بين الشعوب، بل ترافقت في حالات كثيرة مع تعمّق الانقسامات والانتماءات الهوياتية المغلقة.

ومن موقعه كمهندس معماري، قدّم صورة ملموسة لهذا الانكفاء: فضاءات عامة تحاصرها الكاميرات وأنظمة المراقبة والبوابات الأمنية، فيما يُفترض أن تتيح اللقاء والتفاعل. واعتبر أنّ هذه التحوّلات تطال أيضاً مجتمعات البحر المتوسط والمجتمعات العربية، ومنها لبنان، رغم المكانة التي تحتلّها الضيافة في تقاليدها.

وفي تشخيصه، تتراجع الضيافة حين تنحصر في استقبال مَن نعتبرهم شبيهين بنا، وتتقلّص دائرة مَن نقبل اختلافهم. لذلك وضع الاعتماد المتبادل في أساس العلاقة بين المضيف والضيف، وفي أساس الروابط التي تجمع الأفراد والفئات الاجتماعية.

من هذه النقطة، وصل تابت إلى سؤال إعادة بناء لبنان، رابطاً إياه بالاعتراف بحاجة الجماعات بعضها إلى بعض، وبإرساء قواعد مشتركة تنظّم هذه العلاقة. فالمسألة تبدأ حين نغادر مجاملة الترحيب إلى تفاصيل الحياة معاً: مكان الآخر في الحيّ والمدرسة والجامعة، وحقّه في الكلام والمشاركة، وقدرتنا على قبول حضوره من دون اشتراط أن يصبح نسخةً عنّا.