في قلب الولايات المتحدة، تبدو أوهايو ولاية واحدة يتجاور داخلها عالمان سياسيان متباعدان؛ فمع توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي، تكشف شهادات سكانها انقساما يتجاوز التنافس الحزبي إلى خلاف أعمق بشأن مستقبل البلاد وحدود الحرية ودور الدولة.

في جولة بين مدينتي أثنز وزانزفيل، رصد مراسل الجزيرة محمد المدهون ملامح هذا الشرخ عبر شهادات أمريكيين من أجيال وخلفيات متباينة؛ فبدت المسافة الجغرافية المحدودة بين البلدتين أقل بكثير من المسافة التي تفصل مواقف سكانهما.

أخبار مقترحة

  • كومبو لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عمدة نيويورك زهران ممداني غيتي
    "ندعمك يا نيويورك".. كيف حوّل ممداني رسالة فانس إلى مادة للسخرية؟
  • 6 ملفات سيفتحها الديمقراطيون لمحاسبة ترمب إذا فازوا بالكونغرس

لا يتجادل هؤلاء فقط حول هوية الرئيس أو الحزب الأجدر بالحكم، بل حول قضايا تمس تفاصيل حياتهم، من الحق في امتلاك السلاح والضرائب والمساعدات الحكومية، إلى الحريات الشخصية والدين والهجرة، وصولا إلى انعكاس السياسة على العلاقات العائلية.

في أثنز، المدينة الجامعية الصغيرة الواقعة بين تلال جنوب شرقي أوهايو، تبدو الأجواء أكثر ميلا إلى الديمقراطيين. هناك، تلتقي أودري، طالبة الصحافة في جامعة أوهايو، بزملائها في نشاط انتخابي يدعم مرشحي الحزب، بعدما أعادت وسائل التواصل تشكيل نظرتها السياسية.

تقول أودري إنها نشأت في منطقة جمهورية بشدة، لكنها اكتشفت عبر المنصات الرقمية أن ثمة خيارات أخرى، وأن اختلافها في الرأي لا يجعلها سيئة أو مخطئة. وترى أن لكل شخص حقا في امتلاك قناعاته السياسية، أيا كانت.

ومن هذه التجربة، تشكلت رؤيتها لدور السياسيين؛ فهي تعتقد أن الديمقراطيين أكثر اهتماما بالجيران وبما يخدم المجتمع، في حين ترى أن كثيرا من أولويات الجمهوريين تنحاز إلى الربح والمكاسب الشخصية، لا إلى المصلحة العامة المشتركة.

السلاح وحدود الدولة

على مسافة تقارب 80 كيلومترا من أثنز، تقع زانزفيل، وهي مدينة مشابهة لها من حيث الحجم وعدد السكان، لكنها تقدم صورة سياسية مختلفة. ففي ريفها، يدير توم رينر ميدان رماية يرتاده هواة السلاح منذ عقود.

بالنسبة إلى رينر، الذي يدير الميدان منذ 30 عاما، لا يمثل إطلاق النار مجرد نشاط ترفيهي، بل مناسبة اجتماعية وحق دستوري ينبغي حمايته؛ فهو لا يريد أن يكبر أحفاده في بلد اشتراكي أو شيوعي على الإطلاق.

ويكشف موقفه عن تصور أوسع للحرية، يتصل بالضرائب والمساعدات الحكومية وحدود تدخل الدولة، فهو يرى أن بعض سكان المدن يعتمدون على الإعانات جيلا بعد جيل، وأنهم يصوتون غالبا لمن يعدهم بمنافع مجانية، وفق تقديره الشخصي.

في المقابل، تظهر قضية المساعدات في أثنز من زاوية مختلفة داخل بنك الطعام في جنوب شرقي أوهايو، حيث يتطوع لوكا، طالب الموسيقى بجامعة أوهايو، لمساعدة الأسر المحتاجة، وينتقد ما يصفه بـ"هراء الحروب الثقافية" لدى الطرف الآخر.

وتعيش المدينة، وفق تقديرات مكتب الإحصاء الأمريكي، تحت ضغط اجتماعي واقتصادي واضح، إذ يقع نحو 40% من سكانها تحت خط الفقر. ويقول لوكا إن المساعدات تتراجع، بينما ترتفع الأسعار ويتقلص سوقا العمل والإسكان بوتيرة مقلقة.

ويضيف أن دخول الحياة العملية بعد التخرج بات مصدرا للقلق، في ظل شعور الشباب بأن القرارات الحكومية لا تضع مصالحهم في المقدمة، بل تمنح اهتماما أكبر لفئات ثرية. وهكذا يصبح الاقتصاد معيارا حاسما في تقييم السياسة.

بين السلاح والمساعدات، تتبدى فجوة في فهم معنى الحرية وحدود مسؤولية الدولة، لكنها لا تختصر المشهد كله، ففي ميدان الرماية نفسه، يقدم ديف، وهو محافظ ومتدين، تصورا يربط الحقوق والحريات بالمعتقد الديني وبالعلاقة مع الآخر.

ويقول ديف إنه لا يكره من يختلفون معه، حتى إن لم يلتقِ بهم من قبل، لكنه يعتقد أن الليبراليين ابتعدوا عن الدين وفقدوا مرجعية توجههم، ويختزل خلافه معهم في حاجتهم، بحسب تعبيره، إلى مزيد من الإيمان.

وحين سأله المدهون عما إذا كان قد يستخدم سلاحه يوما ضد حكومة استبدادية، ضحك ديف ورفض الإجابة، في رد يعكس حساسية السؤال في بلد يحتل فيه حق امتلاك السلاح مكانة مركزية في الجدل السياسي الأمريكي.

الخلاف داخل العائلات

ولا تبقى هذه الخلافات محصورة في النقاش العام؛ إذ تتسلل إلى البيوت وتختبر قدرة العائلات على التعايش مع اختلاف أبنائها، وتقول أودري إن أحاديث السياسة مع أسرتها تتحول كثيرا إلى جدال، قبل أن يبدأ أفرادها بتقبلها كما هي.

أما رينر، فيستحضر تجربة حفيده الذي بدأ الدراسة الجامعية في كلية ماسكينغَم، التي يصفها بأنها ليبرالية، مشيرا إلى أن العائلة حذرته من تأثير أجوائها، لكنه طمأنهم إلى أن أحدا لن يغير قناعاته، على حد قوله.

وعلى الجانب الآخر، يقول لوكا إن عائلته الممتدة أكثر محافظة من أسرته المقربة، لكن الخلاف لا يتحول عادة إلى شجار؛ فالأفراد يتجنبون الحديث في السياسة من الأساس، في محاولة لإبقاء الروابط العائلية بعيدا عن الاستقطاب.

ويمتد الانقسام أيضا إلى المواقف من المهاجرين، إذ يستحضر ديف ما يصفه بمخاوف تتعلق بالجالية الصومالية في مينيابوليس وكولومبوس، وبما يقول إنه هدر واحتيال وإساءة استخدام للأموال في برامج الرعاية الصحية، وهي مزاعم تعكس تصوره للمشهد.

ولا تتوقف المخاوف عند الهجرة أو الإنفاق العام؛ إذ يربط رينر الدعوات إلى تقييد السلاح بما يراه احتمالا لفرض ضرائب وقوانين تضر بمصالح المحافظين، أو تحويل البلاد إلى الاشتراكية، معتبرا أن نزع السلاح قد يمنعهم من مقاومة ذلك.

من بعيد، تبدو أوهايو وكأنها تختصر أمريكا في معسكرين متقابلين، لكن الشهادات تكشف صورة أكثر تعقيدا: مخاوف متشابهة من فقدان الحرية والمستقبل، تقابلها تصورات متعارضة جذريا بشأن مصدر التهديد والطريق الذي ينبغي أن تسلكه البلاد.