أصبح الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها شات جي بي تي ChatGPT، للحصول على المعلومات والنصائح الصحية ظاهرة متزايدة، يلجأ إليها كثيرون لفهم الأعراض، ومعرفة أسباب الأمراض، والاستفسار عن الأدوية وطرق استخدامها، بل إن البعض يتعامل مع إجاباتها باعتبارها بديلًا عن استشارة الطبيب، لكن هذا الاعتماد قد يحمل مخاطر صحية جسيمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتغيير جرعات الأدوية أو إيقافها دون إشراف طبي.

وأعادت واقعة وفاة امرأة أمريكية تبلغ من العمر 31 عامًا، بعد اتهامات لبرنامج ChatGPT بتوجيهها إلى التوقف التدريجي عن تناول دواء الصرع، تسليط الضوء على مخاطر الثقة المفرطة في إجابات الذكاء الاصطناعي، وحدود قدرته على تقديم المشورة الطبية الآمنة، وفقا لموقع تايمز ناو.

 

وفاة امرأة بعد اتهامات لشات جي بي تي بتوجيهها لإيقاف دواء الصرع

تعود تفاصيل الواقعة إلى بوين وان، التي عُثر عليها متوفاة داخل منزلها في مدينة سياتل الأمريكية في 14 فبراير 2026، بعد أسابيع من اتباع خطة لتقليل جرعة دواء لاموتريجين (Lamotrigine)، الذي كانت تستخدمه للسيطرة على نوبات الصرع الشديدة.

وبحسب دعوى قضائية رفعها والداها ضد شركة OpenAI، زُعم أن برنامج ChatGPT ساعدها على وضع جدول زمني مدته 25 يومًا لتقليل جرعة الدواء تدريجيًا من 400 ملليجرام إلى الصفر، رغم أن الدواء كان يساعدها على التحكم في نوبات الصرع لسنوات.

وأشارت الدعوى إلى أن وان كانت تعاني من مخاوف بشأن تأثير الدواء على قدرتها على التحدث باللغة الإنجليزية، وهو ما اعتقدت أنه قد يؤثر على فرصها في الحصول على وظيفة جديدة، وأن البرنامج شجعها على الاعتقاد بأن تقليل الجرعة قد يساعدها على استعادة قدراتها اللغوية.

كما تضمنت الاتهامات أن البرنامج ساعدها في صياغة رسائل إلى أطبائها لطلب تخفيض الجرعات، وشجعها على إجراء تعديلات دوائية دون إبلاغهم بالخطة كاملة.

وعُثر عليها متوفاة بسبب الموت المفاجئ غير المتوقع في الصرع (SUDEP)، وفقًا لما ورد في الدعوى القضائية، التي تزعم أن التوقف عن الدواء ساهم في تعريض حياتها للخطر.

 

لماذا يمثل الاعتماد على شات جي بي تي في القرارات الطبية خطرًا؟
 

تكمن خطورة الاعتماد على شات جي بي تي في المجال الصحي في أن البرنامج يستطيع تقديم إجابات تبدو علمية ومقنعة، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على تقييم الحالة الطبية بصورة متكاملة، كما يفعل الطبيب المتخصص.

فقد يقدم البرنامج معلومات عامة عن أحد الأمراض أو الأدوية، لكنه لا يستطيع إجراء فحص سريري، أو تقييم التاريخ المرضي بالكامل، أو متابعة التغيرات التي تطرأ على حالة المريض بصورة مستقلة.

وتزداد المخاطر عندما يتعامل المستخدم مع الإجابة باعتبارها تعليمات علاجية مؤكدة، بدلًا من كونها معلومات تحتاج إلى مراجعة وتحقق من مصادر طبية موثوقة.

 

تغيير جرعات الأدوية أو إيقافها دون استشارة الطبيب
 

يُعد تغيير جرعات الأدوية من أخطر الممارسات التي قد يلجأ إليها المستخدمون اعتمادًا على إجابات الذكاء الاصطناعي، خاصة الأدوية المستخدمة للسيطرة على الأمراض المزمنة أو الحالات التي قد يؤدي عدم الالتزام بعلاجها إلى مضاعفات خطيرة.

وتوضح واقعة بوين وان خطورة هذه الممارسة، إذ إن دواء لاموتريجين يُستخدم للوقاية من نوبات الصرع والسيطرة عليها، وقد يؤدي إيقافه أو تغيير جرعته دون إشراف طبي إلى فقدان السيطرة على النوبات وزيادة المخاطر الصحية.

ولا تقتصر المشكلة على أدوية الصرع، بل تشمل أيضًا أدوية القلب والسكري وضغط الدم ومضادات الاكتئاب وغيرها من العلاجات التي تتطلب تحديد الجرعات ومواعيد تعديلها وفقًا لحالة كل مريض.

 

إجابات الذكاء الاصطناعي قد تبدو دقيقة رغم احتوائها على معلومات خاطئة
 

من أبرز مخاطر الاعتماد على شات جي بي تي أن صياغة الإجابة الواثقة والمنظمة قد تجعل المستخدم يعتقد أن المعلومات صحيحة علميًا، حتى عندما تتضمن أخطاء أو استنتاجات غير دقيقة.

فالذكاء الاصطناعي يعتمد على تحليل الأنماط الموجودة في البيانات لتوليد الإجابات، ولا يمتلك فهمًا طبيًا مماثلًا لفهم الطبيب المتخصص، كما قد يقدم معلومات غير مكتملة أو يخلط بين توصيات طبية تخص حالات مختلفة.

وتُعرف هذه المشكلة باسم «الهلوسة» (AI Hallucination)، وهي إنتاج معلومات تبدو منطقية ومقنعة لكنها غير صحيحة، وهو ما قد يصبح خطيرًا عندما تتعلق الإجابة بتشخيص مرض أو تحديد علاج أو تغيير جرعة دواء.

 

الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يؤخر التشخيص والعلاج الصحيح
 

قد يدفع الاعتماد المفرط على برامج الدردشة الآلية بعض الأشخاص إلى تأجيل زيارة الطبيب، خاصة عندما يحصلون على إجابات تمنحهم شعورًا زائفًا بالاطمئنان بشأن أعراض يعانون منها.

كما قد يتبنى المستخدم تشخيصًا غير صحيح بناءً على وصفه للأعراض، أو يستبعد احتمالات مرضية تحتاج إلى فحوصات طبية، ما يؤدي إلى تأخير اكتشاف المشكلة أو بدء العلاج المناسب.

وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن الأعراض نفسها قد ترتبط بأمراض مختلفة، ولا يمكن تحديد السبب بدقة اعتمادًا على وصف نصي فقط دون فحص وتقييم طبي عند الحاجة.

 

الخصوصية الطبية من مخاطر استخدام شات جي بي تي
 

لا تتوقف مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي عند القرارات العلاجية، بل تمتد إلى خصوصية البيانات الصحية، إذ قد يشارك المستخدمون تفاصيل دقيقة عن تاريخهم المرضي، ونتائج التحاليل، والأدوية التي يتناولونها، وأحيانًا صورًا من تقاريرهم الطبية.

ولذلك ينبغي الانتباه إلى سياسات الخصوصية الخاصة بأي أداة رقمية قبل مشاركة المعلومات الصحية الحساسة معها، وعدم افتراض أن إدخال البيانات الطبية في برنامج دردشة يعادل إرسالها إلى طبيب أو جهة رعاية صحية.

 

كيف تستخدم شات جي بي تي دون تعريض صحتك للخطر؟
 

لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن الاستفادة منه في المجال الصحي، لكنه يعني ضرورة معرفة حدوده وعدم منحه دورًا يتجاوز قدراته.

ويمكن استخدامه في تبسيط المصطلحات الطبية، وشرح نتائج التحاليل بصورة أولية، والتعرف على معلومات عامة عن الأمراض والأدوية، أو إعداد قائمة بالأسئلة التي يرغب المريض في طرحها على الطبيب.

لكن هناك مجموعة من الضوابط المهمة، أبرزها:

- عدم بدء تناول أي دواء أو إيقافه أو تغيير جرعته بناءً على إجابة من شات جي بي تي.
- عدم الاعتماد عليه باعتباره بديلًا عن التشخيص الطبي أو الفحص السريري.
- مراجعة المعلومات المتعلقة بالأدوية من خلال الطبيب أو الصيدلي والمصادر الطبية المعتمدة.
- عدم تأجيل طلب الرعاية الطبية بسبب إجابة مطمئنة من برنامج الذكاء الاصطناعي.
- عدم مشاركة البيانات الطبية الحساسة دون فهم سياسات الخصوصية الخاصة بالأداة.