من أين جاءت المواد التي ساعدت على ظهور أول أشكال الحياة فوق الأرض؟ ظل أحد الأجوبة العلمية المطروحة لعقود يشير إلى المذنبات، تلك الأجرام الجليدية القادمة من أطراف المجموعة الشمسية، التي تحمل في داخلها مركبات عضوية ربما أسهمت في صناعة الحياة قبل مليارات السنين.
لكن دراسة جديدة تقلب جانبا مهما من هذه الفكرة؛ فالمذنبات التي اعتقد العلماء أنها حملت المواد الأولية للحياة ربما كانت تصل إلى الأرض بسرعة هائلة، تجعل اصطدامها بالسطح كافيا لتدمير معظم حمولتها الكيميائية.
والأكثر إثارة أن المريخ، الذي نبحث فيه اليوم عن آثار حياة قديمة، ربما كان أوفر حظا من الأرض في استقبال هذه المواد من المذنبات، بسبب اختلاف ظروف الاصطدام بين الكوكبين.
أخبار مقترحة
ونشرت الدراسة في دورية "ساينتيفيك ريبورتس" وأجراها فريق بحثي بقيادة عالم الفلك ريتشارد أنسلو من جامعة كامبريدج البريطانية، اعتمادا على محاكاة حاسوبية متطورة لتاريخ اصطدام المذنبات بالأرض.
100 ألف تجربة تكشف مشكلة لم تكن في الحسبان
لطالما اعتبرت المذنبات مستودعات طبيعية للمواد العضوية التي تشكلت في المراحل الأولى من تاريخ المجموعة الشمسية. فهي تحتوي على الجليد والغبار ومركبات الكربون والنيتروجين، ولذلك افترض العلماء أنها ربما زودت الأرض الفتية ببعض المواد الضرورية لظهور الحياة.
لكن امتلاك المذنب لهذه المركبات شيء، وقدرته على إيصالها سليمة إلى سطح الأرض شيء آخر.
ولاختبار هذه المسألة، أعاد الباحثون محاكاة تاريخ اصطدام المذنبات بالأرض 100 ألف مرة، مع مراعاة أحجامها وسرعاتها وزوايا دخولها الغلاف الجوي، والظروف التي كانت سائدة على الكوكب قبل أكثر من 4 مليارات سنة.
وركزوا على مركب سيانيد الهيدروجين (HCN)، الذي عثر عليه العلماء في مذنبات عديدة، بينها مذنب هالي. ورغم سمّيته المعروفة، فإنه يمثل مادة أولية مهمة في تفاعلات كيميائية يمكن أن تنتج بعض اللبنات الأساسية للحياة.
وجاءت النتيجة مفاجئة؛ ففي 54% من عمليات المحاكاة، لم يسجل الباحثون أي اصطدام نجح في إيصال كمية كافية من المركب إلى موقع مناسب على سطح الأرض. أما المحاكاة المتبقية، فقد شهدت بعض حالات الوصول الناجح، لكنها ظلت نادرة، ولم تضمن توفر الظروف اللازمة لاستمرار التفاعلات الكيميائية.
فالمذنب يحتاج إلى الاصطدام بسرعة منخفضة نسبيا وزاوية مناسبة، حتى لا تتبخر مواده العضوية بفعل الحرارة والضغط. وإذا سقط في المحيط، فقد تتبدد المواد الناجية في المياه قبل أن تبلغ التركيز اللازم للتفاعلات.
وهناك عقبة أخرى؛ إذ كانت اليابسة المكشوفة قليلة خلال المراحل المبكرة من تاريخ الأرض، مما جعل وصول المواد إلى بيئة مناسبة أكثر صعوبة. ويصف أنسلو الفكرة القديمة بأن المذنبات زودت الأرض بكل ما تحتاجه من مواد أولية بأنها جذابة، لكنه يرى أن النتائج الجديدة تجعل حدوث ذلك أمرا بعيد الاحتمال.
لماذا ربما كان المريخ أوفر حظا؟
لم تتوقف المفاجأة عند الأرض، فقد أظهرت الدراسة أن المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة لاستقبال المركبات العضوية القادمة على متن المذنبات.
ويرجع ذلك إلى أن المريخ أصغر حجما وأضعف جاذبية من الأرض، مما يخفض سرعات اصطدام المذنبات بسطحه. كما أن غلافه الجوي الأقل كثافة، في السيناريوهات التي درسها الباحثون، يسمح بوصول مزيد من الأجرام إلى السطح دون تفككها بالكامل.
وبحسب المحاكاة، كانت فرص وصول سيانيد الهيدروجين بتركيزات مناسبة إلى المريخ أعلى من الأرض بعدة مرات، وإن ظلت هذه العملية غير مضمونة.
ولا تعني هذه النتيجة أن الحياة ظهرت بالفعل على المريخ، أو أن المذنبات أدت دورا حاسما في نشأتها هناك، لكنها تضيف احتمالا جديدا إلى الجهود العلمية الرامية إلى فهم الظروف التي ربما جعلت الكوكب الأحمر صالحا للحياة في الماضي.
أما على الأرض، فيطرح الباحثون بدائل أخرى لمصدر المواد الأولية للحياة، من بينها الكويكبات الغنية بالكربون، التي اصطدمت بالكوكب بأعداد أكبر وسرعات أقل نسبيا، أو التفاعلات الكيميائية التي حدثت داخل بيئات الأرض نفسها.
وتنسجم أهمية الكويكبات مع الاكتشافات الحديثة لمركبات عضوية في العينات التي أعادتها المهمات الفضائية من الكويكبين بينو وريوغو، وإن كان وجود هذه المركبات لا يثبت وحده أنها أدت إلى نشأة الحياة.
ومع ذلك، لا تغلق الدراسة الباب أمام مساهمة المذنبات؛ فهي تبحث أساسا في كفاءة وصول سيانيد الهيدروجين بتركيزات مناسبة، ولا تستبعد وصول مركبات عضوية أخرى أكثر قدرة على تحمل الاصطدام.
وهكذا تعيد النتائج صياغة أحد أقدم أسئلة العلم: ربما لم تكن المشكلة في وصول مواد الحياة من الفضاء، بل في قدرتها على النجاة من الرحلة الأخيرة إلى سطح الأرض.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر