اتخذت البرمجة بالذكاء الاصطناعي أو كما يطلق عليها "فايب كودينج" منحى جديدا جامحا في الآونة الأخيرة، إذ مكنت المطورين المستقلين من إعادة ابتكار كبرى البرمجيات التي تُباع مقابل اشتراكات شهرية وطرحها بشكل مجاني ومفتوح المصدر.
وكانت مجموعة تطبيقات "أدوبي" من أوائل ضحايا هذه الموجة الجديدة، إذ استعان مطور برمجيات مستقل مدفوعا بسخطه على نموذج عمل الشركة، بأدوات "كلود كود" لإعادة بناء تطبيقات أدوبي الشهيرة عبر الهندسة العكسية، مطلقا بذلك حزمة برمجيات جديدة تحت اسم "آرت كرافت" وفق تقرير موقع "إنغادجيت" التقني الأمريكي.
أخبار مقترحة
وأوضح التقرير أن النسخة المستقلة تطابق نسخة تطبيقات "أدوبي" بشكل كامل في آليات العمل والواجهة، وذلك رغم وجود بعض الأخطاء البرمجية فيها وغياب بعض المزايا عنها، ومن بينها ميزة فتح ملفات "بي إس دي" الخاصة بتطبيق "فوتوشوب".
ثم انطلق المطور ليعيد تطوير نسخة مماثلة من حزمة تطبيقات مايكروسوفت المكتبية ويطرحها بشكل مجاني مفتوح المصدر عبر حسابه في منصة "غيت هاب".
وبغض النظر عن جودة التطبيقات التي تأتي بهذه الطريقة، فإنها تثير تساؤلا محوريا حول براءات الاختراع وحقوق النشر والملكية الفكرية، وتفرض سرعة تطور وانتشار نماذج الذكاء الاصطناعي تداعيات قانونية جديدة تتطلب تدخلا تنظيميا.
الأزمة ليست في كونها مجانية
وأثار ظهور مشروع "آرت كرافت" في الآونة الأخيرة جدلا واسعا عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وانقسم المستخدمون بين فرقة ترى أن الشركات الكبرى تحصل على ما تستحقه أخيرا وتواجه بدائل لتقنياتها، ويراها آخرون قرصنة صريحة، حسب ما جاء في تقرير إنغادجيت.
ويتجادل الطرفان حول وضع إتاحة التطبيقات بشكل مجاني خاصة وأن أدوبي أنفقت ملايين لتطوير منتجاتها وتصل إلى الشكل الحالي لها.
ولكن هذه التطبيقات تطرح سؤالا مختلفا كليا، إذ لا توجد مشكلة في كون التطبيقات مجانية ومفتوحة المصدر لوجود العديد من البدائل مفتوحة المصدر لتطبيق "فوتوشوب"، ومن بينها "غيمب" (GIMP) أو حتى "فوتوبيا" (Photopea).
ويدور السؤال هذه المرة حول الملكية الفكرية والعلامات التجارية، فما فعلته "آرت كرافت" تجاوز مجرد إعادة خلق التطبيقات وتطوير واجهات جديدة تستخدم أسلوب عملها نفسه، إذ نسخت الواجهات والتطبيقات الخاصة بشركة "أدوبي" بشكل كامل، لدرجة يصعب معها التفريق بينهما.
وحتى إن طرحت آرت كرافت تطبيقاتها بشكل مدفوع، فإنها تظل تعتمد على الواجهة وأوامر وطريقة تعامل مطابقة لما يحدث من الشركات الكبرى، وهو ما يثير الشكوك بوجود سرقة للملكية الفكرية للتطبيق والواجهة.
ويتخطى السؤال حتى مخاوف سرقة الملكية الفكرية لكبرى الشركات، فما الذي يمنع أي مطور مستقل أو مجموعة مطورين مستقلة من تطوير تطبيقاتهم الخاصة التي تشبه التطبيقات الشهيرة دون الخوف من العواقب القانونية والمادية؟
موجة الهندسة العكسية
ولا يمكن حصر موجة الهندسة العكسية بأي شكل من الأشكال في تطبيقات الحواسيب وأدواتها المختلفة، إذ اجتاحت الموجة ذاتها قطاع الألعاب في الآونة الأخيرة، وتحديدا ألعاب المنصات.
وشهدت الساحة ظهور عدد من الألعاب والتطبيقات التي تعيد هندسة ألعاب المنصات القديمة سعيا لخلق حل يكسر حصرية بعض الألعاب لبعض المنصات ومن بينها لعبة "غاد أوف وور" التي كانت حصرية لمنصات "بلاي ستيشن 3" وأصبحت تعمل الآن على الحاسوب الشخصي.
وتمتد القائمة لتشمل عددا كبيرا من الألعاب وحتى المتاجر المخصصة للمنصات، ويشير تقرير مستقل من موقع "ذا فيرج" إلى ظهور ألعاب "زيلدا" الشهيرة على منصات غير "نينتندو" التي كانت حصرية لها في السنوات الماضية بفضل الذكاء الاصطناعي.
كما ظهرت مجموعة من المشاريع المستقلة لإعادة تطوير الألعاب، ومن بينها مشروع مستقل لإعادة تطوير لعبة "كول أوف ديوتي موديرن وير فير" بكلفة أقل من الأصلية بكثير، فضلا عن إعادة تطوير لعبة "جي تي إيه"الشهيرة بأجزائها المختلفة.
وتمكن بعض المطورين -بناء على تقرير "ذا فيرج"- من كسر حماية أجهزة "نينتندو 2" فضلا عن أجهزة "بلاي ستيشن 5" أيضا وإعادة تطوير ألعابهم لتعمل على الحواسيب الشخصية بفضل الذكاء الاصطناعي.
الشركات تتدخل لإيقاف المنبع
ومع تزايد الإقبال على هذه الموجة وحجمها، قررت الشركات المطورة لنماذج وأدوات الذكاء الاصطناعي التدخل لمنع ظهور مثل هذه التطبيقات التي تعتمد في المقام الأول على نماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي مقدمة هذه الشركات تأتي شركة أنثروبيك الأمريكية المسؤولة عن نماذج "كلود"، إذ أضافت الشركة قيدا جديدا لأنظمتها يمنعها من إعادة تطوير أو محاكاة لعبة أصلية دون امتلاك صاحبها للملفات الأصلية والرخصة الواضحة لإعادة التطوير.
وتهدف هذه الخطوة بشكل مباشر إلى كبح مجتمع تعديل الألعاب وإعادة تطويرها الذي بدأ يتنامى في الآونة الأخيرة.
ولكن قد لا تكفي جهود أنثروبيك بمفردها لإنقاذ شركات البرمجيات والألعاب الكبرى، إذ يمكن الالتفاف على أي قيود، كما أن العديد من النماذج لم تعلن عن وضع قيود مماثلة، لذلك ربما تتجه إليها مجتمعات المطورين المستقلة.
ويظل السؤال المحوري، هل يحتاج قطاع الذكاء الاصطناعي للتنظيم فيما يتعلق بإعادة تطوير البرمجيات والألعاب التي تحمل حقوق ملكية؟

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر