لم يكن أسامة يتخيل أنه، بعد قرابة عقدين أمضاهما في العمل الصحفي، سيجد نفسه مضطرًا إلى إخفاء اسمه عن التقارير والتحقيقات التي يبذل في إعدادها جهدًا ووقتًا طويلين، واللجوء إلى نشرها بأسماء مستعارة، خشية أن يتحول اسمه الحقيقي إلى سبب لملاحقته أمنيًا أو قضائيًا، وربما التنكيل والزج به في غياهب السجن لسنوات، على غرار ما تعرض له عدد من زملائه الصحفيين الذين انتهى بهم المطاف خلف القضبان.

ليس أسامة حالة استثنائية في المشهد الصحفي المصري؛ بل هو نموذج معبر لفريق هائل من الصحفيين وجدوا أنفسهم أمام المعضلة ذاتها، مضطرين إلى إخفاء هوياتهم والتنازل عن حقهم الطبيعي في نسبة أعمالهم إليهم، رغم ما تمثله تلك الأعمال من حصيلة جهد مهني كان يفترض أن يشكل مصدر فخر لهم، وإضافة إلى رصيدهم الصحفي.

تأتي هذه المعاناة في وقت تشهد فيه الساحة الصحفية المصرية حملة ممنهجة لاستهداف الصحافة المستقلة، وهي رسالة موجهة للصحافة بمعناها العام، وتحمل رسائل لا يمكن لأحد تجاهلها، بداية من القبض على فريق عمل منصة “متصدقش” وصولا إلى غلق منصة “مدى مصر” وتحويل رئيسة تحريرها للمحاكمة، في مشهد كان صادمًا للمهتمين بحرية الصحافة في العالم أجمع.

في ظل هذا المناخ المثقل بالقيود والضغوط والاستقطاب، وما يثيره من مخاوف بشأن حرية التعبير وسلامة الصحفيين، تتجاوز تداعيات التضييق مصير الصحفيين الذين يتعرضون للملاحقة، لتمتد إلى مستقبل المهنة نفسها، وقدرة المؤسسات الصحفية على أداء دورها في الرقابة والمساءلة وكشف الحقائق.. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أي جيل من الصحفيين يمكن أن ينشأ في بيئة تصبح فيها الرقابة الذاتية وسيلة للبقاء، ويغدو إخفاء الهوية ثمنًا لممارسة المهنة؟ وعلى أي مبادئ ومدارس صحفية سيتربى هؤلاء؟

القانون في خدمة تكميم الأفواه

تواجه الصحافة المصرية أوضاعًا بالغة القسوة، في ظل تصاعد القيود المفروضة على العمل الصحفي، ما بين حجب المواقع الإلكترونية، وترهيب الصحفيين وملاحقتهم أمنيًا وقضائيًا، وصولًا إلى الزج بعدد منهم خلف القضبان، حيث بلغ عدد الصحفيين المحبوسين بلغ نحو 25 صحفيًا.

يثير هذا الوضع تساؤلات جدية بشأن تلك الحملة متعددة المسارات التي تستهدف تقويض ما تبقى من مساحات الصحافة المستقلة، والدفع بالمشهد الإعلامي نحو نموذج أقرب إلى صحافة الصوت الواحد التي سادت خلال الحقبة الناصرية، والتي سبق أن عبّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن إعجابه ببعض ملامحها.

لا تقتصر القيود المفروضة على الصحافة المصرية على الممارسات الأمنية والملاحقات القضائية، بل تستند أيضًا إلى ترسانة من التشريعات التي أحكمت الخناق على حرية التعبير والنشر، ووسّعت نطاق التجريم والعقوبات المرتبطة بالعمل الصحفي، تلك الترسانة التي لا تقف عند حدود قانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر عام 2018، كما قد يُتصور، وإنما تمتد إلى قوانين أخرى تتضمن نصوصًا أشد تقييدًا، وتتيح ملاحقة الصحفيين على خلفية ما ينشرونه من أخبار وتقارير وتحقيقات.

يأتي في مقدمة هذه التشريعات قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي وضع إطارًا قانونيًا صريحًا لحجب المواقع الإلكترونية، وأتاح اتخاذ إجراءات بحق المواقع في حالات تتعلق بتهديد الأمن القومي أو تعريض أمن البلاد واقتصادها للخطر، كذلك قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، الذي يبرز باعتباره أحد التشريعات التي أثارت انتقادات حقوقية واسعة بسبب انعكاساتها المحتملة على حرية الرأي والتعبير.

لا تنتهي القيود عند التشريعات الحديثة، إذ يظل قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته حاضرًا ضمن المنظومة القانونية المنظمة لجرائم النشر والتعبير، من خلال عدد من النصوص التي يمكن تطبيقها على المحتوى الصحفي، ومن أبرزها المادة (188)، التي تجرّم نشر الأخبار أو البيانات أو الشائعات الكاذبة بسوء قصد، متى كان من شأنها تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، وهي الصياغة الفضفاضة التي تتيح مساحة واسعة للتأويل، خصوصًا في ظل عدم وجود معايير دقيقة ومتفق عليها لتحديد بعض المفاهيم المرتبطة بالمصلحة العامة والسلم المجتمعي.

وقد انعكس تداخل هذه المنظومة التشريعية المكبلة، مع الممارسات الأمنية والقضائية الترهيبية، على واقع الصحافة المصرية ومساراتها المتعددة، مما جعلها تتذيل مؤشرات حرية الصحافة، بعدما جاءت في المرتبة 163 من أصل 180 دولة، ووضعها في مرمى الانتقادات الحقوقية الدولية.

لا أحد بمأمن من الملاحقة

“الرسالة أصبحت واضحة.. لا يوجد صحفي في مأمن”.. بهذه العبارة الصادمة استهل منير، الصحفي بالقسم السياسي في إحدى المنصات الإعلامية المستقلة بمصر، حديثه، معربًا عن مخاوفه إزاء ما آلت إليه أوضاع حرية الصحافة في البلاد، في ظل التراجع الحاد في سقف الحريات، الذي يرى أنه لم يعد يقترب من الصفر فحسب، بل تجاوزه إلى ما دونه، على حد تعبيره.

ويضيف منير، في حديثه لـ”نون بوست”، أن حالة من القلق والترقب باتت تهيمن على قطاعات واسعة من الصحفيين العاملين في المنصات المستقلة، سواء داخل مصر أو خارجها، في ظل اتساع دائرة المخاوف من الملاحقة، التي لم تعد، بحسب قوله، مرتبطة بالضرورة بما يكتبه الصحفي أو ينشره، وإنما امتدت لتشمل اعتبارات أخرى، من بينها هوية المؤسسة التي يعمل بها، والجهات الممولة لها، وتوجهاتها وسياساتها التحريرية.

ويرى الصحفي المصري أن هذا التحول أحدث حالة من الارتباك والقلق داخل الوسط الصحفي خلال الأيام الماضية، بعدما بات الانتماء إلى مؤسسة إعلامية بعينها، في تقديره، مصدرًا محتملًا للمخاطر، بصرف النظر عن طبيعة المحتوى المنشور أو مدى التزامه بالمعايير المهنية، مؤكدًا أن السلطة الحالية لم تعد تتسامح مع أي مساحة للاعتراض أو النقد، حتى وإن استندت المواد الصحفية إلى وثائق وأدلة موثقة، وهو ما يضع العاملين في الصحافة المستقلة أمام معادلة شديدة القسوة بين التمسك بحقهم في ممارسة المهنة والحفاظ على سلامتهم وحريتهم.

ويلفت منير إلى أن الاتهامات التي يواجهها الصحفيون في مثل هذه القضايا باتت، وفق وصفه، “جاهزة ومعلبة”، وفي مقدمتها الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، معتبرًا أن تكرار هذه الاتهامات يعكس نمطًا مقلقًا في التعامل مع الصحفيين، ويضاعف المخاوف من توظيف الإجراءات الجنائية في التضييق على حرية العمل الصحفي.

ويكشف أن هذه الهواجس لم تعد مقتصرة على فئة بعينها من الصحفيين، مشيرًا إلى أن عددًا من زملائه وأصدقائه الصحفيين المسيحيين باتوا يتشاركون المخاوف نفسها من احتمالات الملاحقة باتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعات إرهابية، رغم ما يراه من مفارقة تثير التساؤل بشأن منطقية توجيه مثل هذه الاتهامات في بعض الحالات.

ويختتم الصحفي المصري حديثه بالتأكيد أن ما تعرض له العاملون بمنصة “متصدقش”، إلى جانب الإجراءات المتخذة بحق الصحفية لينا عطا الله ومنصة “مدى مصر”، شكّل، من وجهة نظره، رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى عموم الوسط الصحفي، مفادها أن هامش العمل المستقل بات أكثر ضيقًا، وأن الخروج عن الخطوط المرسومة قد يعرّض أصحابه لتبعات قاسية، في مناخ تتزايد فيه المخاوف من أن يتحول الاختلاف مع السلطة، حتى في إطار العمل الصحفي المهني، إلى مصدر للتهديد والملاحقة.

حين يصبح كل محرر رقيبًا على نفسه

لم يعد التضييق على حرية الصحافة يستلزم بالضرورة صدور تعليمات رسمية تحدد ما يجوز نشره وما ينبغي حجبه، أو وجود رقيب أمني داخل المؤسسات الصحفية يتولى مراجعة المواد قبل نشرها؛ إذ برز نمط آخر من الرقابة لا يقل قسوة عن الرقابة المباشرة، وربما يفوقها تأثيرًا، يتمثل في “الرقابة الذاتية”، التي تحولت تدريجيًا إلى جزء أصيل من آليات العمل اليومي داخل غرف الأخبار، حتى بات الصحفي يمارس دور الرقيب على نفسه قبل أن يتدخل أي طرف آخر.

هذا ما يؤكده أحمد، مدير تحرير إحدى الصحف الخاصة، الذي يرى أن الرقابة الذاتية أصبحت أشبه بسكين مسلط على رقاب العاملين في المؤسسات الصحفية، تكبل حركتهم وتجهض محاولاتهم لتقديم صحافة مهنية مستقلة وموضوعية، بعيدًا عن الحسابات السياسية والأمنية التي باتت تفرض نفسها على مختلف مراحل إنتاج المحتوى الصحفي.

ويوضح أحمد، في حديثه لـ”نون بوست”، أن هذه الرقابة لم تعد مقتصرة على مستوى إداري أو تحريري بعينه، بل امتدت لتشمل جميع حلقات العمل داخل المؤسسة، بدءًا من رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير ومدير التحرير، وصولًا إلى الصحفيين والمحررين والعاملين بأقسام التدقيق والمراجعة والديسك، إذ بات كل طرف يمارس قدرًا من الرقابة الذاتية، مدفوعًا بالخوف من المساءلة أو التعرض لضغوط قد تطاله شخصيًا أو تطال المؤسسة التي يعمل بها.

ويشير إلى أن هذا المناخ أفرز حالة من التحوط المبالغ فيه، دفعت كثيرين إلى تجنب الموضوعات الحساسة أو حذف ما قد يثير اعتراض الجهات المعنية، حتى أصبح الجميع، على حد وصفه، “ملكيين أكثر من الملك”، في إشارة إلى أن المؤسسات الصحفية قد تفرض على نفسها قيودًا أشد من تلك التي يمكن أن تُفرض عليها بصورة مباشرة، خشية الدخول في مواجهات لا تملك ضمانات لتحمل تبعاتها.

ويعرّف مدير التحرير الرقابة الذاتية بأنها “قيام الصحفي بتجنب الكتابة عن أمور جدلية أو إشكالية لاعتقاده أنها تخالف القانون، أو بسبب خوفه من التعرض للمضايقات والتهديد، أو بسبب سياسة بعض المؤسسات الصحفية”، معتبرًا أن خطورتها تكمن في أنها لا تحتاج إلى قرارات منع صريحة، وإنما تستند إلى مناخ عام من الخوف وعدم اليقين، يدفع الصحفيين إلى استباق الرقابة الخارجية بفرض قيود على أنفسهم وعلى ما ينتجونه من محتوى.

ويختتم أحمد حديثه بالتحذير من أن التداعيات الأخطر لهذا النمط من الرقابة تتجاوز حجب بعض الأخبار أو استبعاد تحقيقات بعينها، لتصل إلى إعادة تشكيل وظيفة المؤسسة الصحفية ومعايير النجاح المهني داخلها؛ إذ يتحول رئيس التحرير من شريك في تطوير المادة الصحفية وتعزيز جودتها إلى حارس للخطوط الحمراء، بينما يصبح معيار نجاح الصحفي هو قدرته على تجنب المشكلات وتفادي الصدام، بدلًا من كفاءته في البحث عن الحقائق وكشفها وتقديمها للرأي العام.

الخطوط الحمراء تقتل الأفكار

مثل هذا المناخ المثقل بالقيود والرقابة الذاتية لا يمكن أن يشكل بيئة مواتية لإنتاج صحافة مستقلة وواعية وموضوعية، بقدر ما يهيئ الأرضية لنمو صحافة أقرب إلى العلاقات العامة والخطابات الدعائية، التي تنشغل بتجميل الواقع وتجنب القضايا الشائكة أكثر من انشغالها بكشف الحقائق ومساءلة المسؤولين، وهو ما انعكس سلبًا على جودة المنتج الصحفي ومضمونه، حتى بات كثير مما يُنشر يفتقر إلى أبسط مقومات العمل الصحفي المهني، وفي مقدمتها الاستقلالية والتعددية والقدرة على النقد والمساءلة.

في هذا السياق، يكشف مصطفى، المحرر الصحفي بإحدى الصحف المصرية، عن جانب من التحولات التي طرأت على آليات العمل داخل غرف الأخبار، موضحًا أن الاجتماع التحريري الأسبوعي الذي يعقده مدير التحرير مع الصحفيين لم يعد مساحة لتبادل الأفكار ومناقشة المقترحات والتحقيقات التي يمكن أن تضيف إلى رصيد الصحيفة وتطور من مهارات محرريها، وإنما تحول تدريجيًا إلى اجتماع لتحديد ما يجوز نشره وما ينبغي تجنبه، وفق حسابات تتجاوز المعايير المهنية والتحريرية.

ويضيف مصطفى، في حديثه لـ”نون بوست”، أن كثيرًا من الأفكار والمقترحات الصحفية الجيدة، التي تحظى بإشادة المحررين والمسؤولين عن التحرير، تجد طريقها إلى الرفض والاستبعاد، ليس لافتقارها إلى القيمة الإخبارية أو الجودة المهنية، وإنما خشية أن تثير مشكلات مع جهات بعينها، أو تتقاطع مع ملفات تصنفها إدارة الصحيفة باعتبارها “خطوطًا حمراء” لا يجوز الاقتراب منها، مهما بلغت أهمية الموضوع أو توافرت الأدلة التي تدعم تناوله.

ويرى الصحفي المصري أن استمرار هذا النمط من الرقابة والترهيب، الذاتي أكثر منه رسمي، لا يقتصر تأثيره على تعطيل نشر بعض الموضوعات، بل يمتد إلى إضعاف روح المبادرة لدى الصحفيين، وإفراغ العمل التحريري من مضمونه النقدي والرقابي، بما يحول المؤسسات الصحفية تدريجيًا إلى منصات لإعادة إنتاج الروايات الجاهزة، بدلًا من أن تكون ساحات للبحث والتحقيق وكشف ما يُحجب عن الرأي العام.

ويحذر مصطفى من أن ترسيخ هذه الممارسات داخل المؤسسات الصحفية ينذر بمزيد من التدهور في مستقبل الصحافة المصرية، ويهدد بتقويض ما تبقى من مكانتها المهنية وريادتها التاريخية في المنطقة، بعدما شهدت، على حد تعبيره، تراجعًا متواصلًا عامًا بعد آخر، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي باتت فيها اعتبارات السلامة وتجنب الصدام تتقدم على مقتضيات العمل الصحفي الجاد، وأصبح الخوف من تبعات النشر أكثر حضورًا من الرغبة في الوصول إلى الحقيقة.

أسماء مستعارة ومنفى اضطراري

أمام هذا التضييق المتواصل، وفي ظل مناخ الترهيب والخوف الذي يخيم على الوسط الصحفي، يجد بعض الصحفيين، ممن يتمسكون بحقهم في مواصلة العمل المهني رغم مخاطره المتزايدة، أنفسهم مضطرين إلى ابتكار وسائل واستراتيجيات دفاعية للحد من احتمالات تعرضهم للملاحقة، والحفاظ قدر الإمكان على سلامتهم وحريتهم، غير أن هذه الخيارات، وإن بدت ضرورية في بعض الأحيان، تفرض عليهم أثمانًا مهنية وإنسانية باهظة، لا تتناسب بأي حال مع طبيعة الرسالة التي يفترض أن يمارسوها في بيئة آمنة ومستقرة، تكفل لهم حرية التعبير وتحمي حقهم في أداء واجبهم دون خوف أو تهديد.

ومع تقلص مساحات النشر المستقل، يلجأ بعض الصحفيين إلى الكتابة بأسماء مستعارة، أو نشر أعمالهم دون أسماء من الأساس، باعتبار ذلك وسيلة احترازية قد توفر لهم قدرًا نسبيًا من الحماية، لكن هذه الآلية، رغم ما قد تمنحه من شعور مؤقت بالأمان، حتى وإن كان غير مضمون،  تنطوي على كلفة مهنية ومعنوية قاسية؛ إذ تحرم الصحفي من حقه الأصيل في نسبة إنتاجه الفكري والمهني إليه، والاعتراف بجهده بوصفه صاحب المادة المنشورة التي تخدم حق المجتمع في المعرفة.

وهنا لا تقتصر الخسارة على غياب الاسم عن المادة الصحفية، وإنما تمتد إلى حرمان الصحفي من التقدير الأدبي والمعنوي المستحق، وإضعاف قدرته على بناء رصيده المهني وتوثيق إنجازاته، فضلًا عن الأثر النفسي الذي يتركه اضطراره إلى الاختباء خلف اسم آخر، أو التنازل عن هويته المهنية، لمجرد أنه اختار ممارسة الصحافة، وهي مفارقة شديدة القسوة، يصبح فيها إخفاء هوية صاحب الحقيقة أحد الأثمان المفروضة عليه من أجل الاستمرار في كشفها.

ومن زاوية أخرى، يجد فريق من الصحفيين أنفسهم أمام خيار أكثر قسوة، بعدما ضاقت أمامهم فرص العمل والنشر داخل البلاد، في ظل سيطرة الشركات والكيانات المقربة من السلطة على جل المشهد الإعلامي، بالتوازي مع استمرار الضغوط المفروضة على ما تبقى من المنصات الصحفية المستقلة، حيث لا سبيل سوى مغادرة الوطن والبحث عن مساحات أكثر حرية للعمل والكتابة من الخارج.

وهكذا، يتحول الخروج من البلاد، بالنسبة إلى هؤلاء، من خيار شخصي أو فرصة مهنية إلى ما يشبه المنفى الاضطراري، يدفعون ثمنه ابتعادًا عن أسرهم ومجتمعاتهم ومصادرهم الصحفية، فضلًا عن أعبائه النفسية والاجتماعية والمادية، في سبيل التمسك بحقهم في ممارسة الصحافة دون الخضوع للقيود التي دفعتهم إلى الرحيل.

وبين صحفي يضطر إلى إخفاء اسمه حتى يتمكن من النشر، وآخر يضطر إلى مغادرة وطنه حتى يستطيع الكتابة، تتجلى إحدى أكثر المفارقات إيلامًا في واقع الصحافة المصرية؛ إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على الوصول إلى المعلومة أو التحقق منها ونشرها، وإنما امتد إلى البحث عن وسيلة تتيح للصحفي ممارسة مهنته دون أن يدفع من حريته أو سلامته أو استقراره الشخصي ثمنًا لذلك.

جيل يرث الخوف والرقابة الذاتية

تفرض هذه الأجواء سؤالًا ربما يكون الأكثر إلحاحًا وحرجًا بشأن مستقبل الصحافة المصرية ومصير أجيالها القادمة: أي جيل من الصحفيين يمكن أن ينشأ في مناخ تحكمه الرقابة الذاتية، وتُحاصر فيه حرية التعبير، وتُختزل فيه الممارسة المهنية في تجنب المحظورات والابتعاد عن الخطوط الحمراء؟ وكيف يمكن إعداد صحفيين يمتلكون أدوات النقد والمساءلة والقدرة على كشف الحقائق، في بيئة تُعلّمهم منذ خطواتهم الأولى أن الصمت أكثر أمانًا من السؤال، وأن تجنب الصدام أهم من البحث عن الحقيقة؟

وهل يمكن لمثل هذا المناخ، بما يفرضه من قيود وضغوط ومخاوف، أن يُفرز جيلًا من الصحفيين القادرين على استعادة مكانة الصحافة المصرية وقيادة مرحلة جديدة من تاريخها، أم أنه يمهد تدريجيًا لإعادة إنتاج صحافة الصوت الواحد، التي تتوارى فيها التعددية وتغيب عنها الأصوات المستقلة، ليعود المشهد الإعلامي إلى نموذج صحافة الستينيات، الذي طالما استُحضر في الخطاب الرسمي بوصفه نموذجًا للانضباط والاصطفاف.

من هنا يصبح السؤال الأكثر خطورة لا يتعلق فقط بما تبقى من حرية للصحافة اليوم، وإنما بما إذا كانت هذه البيئة تترك للصحافة المصرية فرصة حقيقية لاستعادة استقلالها غدًا، أم أنها تُنشئ جيلًا جديدًا يتقن فنون تجنب المحظورات أكثر مما يتقن أدوات البحث والتقصي والمساءلة، بما ينذر بتحول الرقابة الذاتية من استجابة مؤقتة للخوف إلى ثقافة مهنية راسخة، تتوارثها الأجيال حتى في غياب الرقيب.