في تسعينيات القرن الماضي، كانت إسبانيا تخوض تجربتها الأولى مع قطارات "آفي" (AVE) فائقة السرعة، على خطوط السكك الحديدية ذات المقياس الأوروبي الموحد. وتمكنت هذه القطارات خلال الاختبارات من تجاوز سرعة 350 كيلومترًا في الساعة، قبل اعتماد سرعة تشغيل قصوى تبلغ 300 كيلومتر في الساعة على الخطوط الطويلة، اعتبارًا من عام 1994.

اعلان
اعلان

لكن التفاؤل الذي رافق انطلاقة هذا النظام يختلف كثيرًا عن المناخ السائد في عام 2026، في أعقاب حادثين كبيرين أسفرا عن أكثر من 110 قتلى في آداموز وأوردا. وتفاقمت المخاوف مع إلغاء رحلات وتأخر قطارات، إلى جانب سلسلة من الحوادث التي أضعفت ثقة الجمهور في شبكة السكك الحديدية الإسبانية فائقة السرعة.

وإلى جانب الحادثين المميتين، اندلع حريق على خط مدريد - برشلونة، فيما سجلت حركة القطارات تراجعًا بنسبة 20% في عدد الركاب خلال النصف الأول من عام 2026.

توسع شبكة "آفي" في إسبانيا وموجة التفاؤل

عند إطلاق خدمة القطارات فائقة السرعة على خط مدريد - إشبيلية في تسعينيات القرن الماضي، ضم الأسطول الأول 18 قطارًا، كانت قادرة على بلوغ سرعة 300 كيلومتر في الساعة، وفقًا لما أعلنته شركة "رينفي" بمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيسها.

ومنذ ذلك الحين، توسعت الشبكة تدريجيًا، فوصلت إلى ليريدا عام 2003، ثم إلى برشلونة عام 2008.

وأصبح بالإمكان قطع المسافة بين مدريد وبرشلونة، التي تبلغ سرعة القطارات عليها التشغيلية 300 كيلومتر في الساعة، في نحو ساعتين ونصف.

وفي عام 2017، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك، ماريانو راخوي، أن طول شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة في البلاد تجاوز 3100 كيلومتر. وبعد خمس سنوات، تحدث خلفه بيدرو سانشيث عن شبكة يبلغ طولها نحو 4000 كيلومتر.

في يونيو/حزيران 2026، أظهر "أطلس السرعة العالية" أن إسبانيا تحتل المرتبة الثانية عالميًا من حيث طول شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة، بعد الصين، تليهما اليابان وفرنسا وألمانيا.

وفي نهاية عام 2020، دخل تحرير خدمات قطارات "رينفي آفي" حيز التنفيذ، ما أتاح لشركات أخرى تشغيل رحلات على الشبكة. وبدأت شركة "أويغو"، التابعة لمجموعة السكك الحديدية الفرنسية "إس إن سي إف"، تقديم خدماتها في إسبانيا عام 2021، ثم انضمت إليها شركة "إيريو" في عام 2022.

وساهم دخول مشغلين جدد إلى السوق في خفض الأسعار وزيادة الإقبال على القطارات فائقة السرعة. ففي عام 2023، ارتفع عدد الركاب بنسبة 37%، فيما أفادت الهيئة الوطنية للأسواق والمنافسة (CNMC) بأن الأسعار انخفضت بنحو 40% مقارنة بالفترة التي كانت فيها "رينفي" المشغل الوحيد، بالتزامن مع زيادة عدد المقاعد المتاحة.

لكن سجل الشبكة لم يخلُ من الحوادث الخطيرة. ففي عام 2013، خرج قطار كان يسير بين مدريد وفيرول عن القضبان قرب بلدة أنغرويس في إقليم غاليسيا، ما أسفر عن مقتل 79 شخصًا وإصابة 143 آخرين.

آدموس وحدود السرعة وتراجع حركة الركاب في عام 2026

في 18 يناير/كانون الثاني 2026، قرابة الساعة 19:45، وقع حادث في بلدة آدموس بمقاطعة قرطبة، عندما خرج قطار تابع لشركة "إيريو"، كان متجهًا من ملقة إلى مدريد، عن مساره واجتاز السكة المجاورة، قبل أن يصطدم بقطار آخر كان يسير عليها. وأسفر الحادث عن مقتل 46 شخصًا.

ووصف وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي الحادث آنذاك بأنه "غريب للغاية"، مشيرًا إلى وقوعه على مقطع مستقيم من السكة، رغم أن القطار صُنع عام 2022 والخط خضع لأعمال تجديد. كما طرح احتمال وجود كسر في أحد القضبان، لكنه شدد على أن ذلك لا يزال فرضية قيد التحقيق.

وعقب الحادث، خضعت الخطوط لمراجعات، وخُفضت السرعة المسموح بها في بعض المقاطع. وجاء ذلك بعدما حذّر عدد من سائقي القطارات، على مدى أشهر، من اهتزازات في أجزاء من السكة. وأدت القيود الجديدة إلى إطالة زمن بعض الرحلات.

وشهدت شبكة السكك الحديدية اضطرابات أخرى خلال عام 2026؛ إذ تسببت الأمطار التي أعقبت حادث آدموس في إلغاء جميع الرحلات المتجهة إلى ملقة.

وكانت الشبكة قد واجهت مشكلات في فترات سابقة أيضًا. ففي صيف العام الماضي، أدى حريق إلى قطع ممر الأندلس، فيما تسببت حرائق الغابات في تعطيل الخط المؤدي إلى سانتياغو دي كومبوستيلا. وشهد عام 2025 بدوره أعطالًا برمجية أوقفت قطارات "تالغو أفرِيل"، إلى جانب رصد شقوق في بعض الأجزاء.

وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بالتزامن مع العيد الوطني الإسباني، اندلع حريق في قاطرة أحد قطارات "آفي" في بلدة ريكلا بمقاطعة سرقسطة، ما أدى إلى توقف حركة القطارات على خط مدريد - برشلونة لمدة خمس ساعات. وتوقفت 14 رحلة، وأُلغيت 18 رحلة لشركة "رينفي" و11 لشركة "إيريو" وثلاث رحلات لـ"أويغو". وتأثر بالحادث نحو 19,500 راكب.

أوردا: هل كان بالإمكان تجنب المأساة؟

في 28 أكتوبر/تشرين الأول، عند الساعة 8:53 صباحًا، اصطدم قطار "آفي" تابع لشركة "رينفي" بقطار تابع لشركة "إيريو" كان متوقفًا على خط مدريد - إشبيلية، قرب بلدة أوردا في مقاطعة طليطلة.

وأعلنت حكومة إقليم قشتالة - لا مانتشا سقوط ما لا يقل عن 68 قتيلًا، فيما أفادت "يورونيوز"، التي أرسلت فريقًا إلى موقع الحادث، بوجود أكثر من مئة مصاب.

وبعد حادث آدموس في يناير/كانون الثاني، باتت هذه المأساة ثاني حادث قطارات مميت يضرب شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة في إسبانيا خلال عام 2026.

ووفقًا للتسلسل الزمني للوقائع الذي عرضته وزارة النقل، تسبب عطل حاسوبي قرابة الساعة 8:30 صباحًا في تعطيل نظام السلامة "إل زد بي" على امتداد نحو 63 كيلومترًا من الخط، ما أدى إلى توقف ستة قطارات. وكان من بينها قطار "إيريو" رقم 6076، وعلى متنه 147 راكبًا، وقطار «آفي» رقم 2080، الذي كان ينقل 397 راكبًا.

وفي الساعة 8:36، منح مركز التحكم التابع لشركة "أديف" في محطة أتوتشا بمدريد قطار "آفي" الإذن باستئناف رحلته، مع الاعتماد على الإشارات الجانبية واتباع إجراءات السير المعتادة في هذه الظروف. وطلب سائق القطار تأكيد التعليمات، فأكدها المراقب.

وبعد خمس دقائق، أبلغت سائقة قطار "إيريو" مركز التحكم بأن قطارها لا يزال متوقفًا عند مدخل أوردا بسبب انقطاع الاتصال، وتلقت بدورها إذنًا بمواصلة السير. لكنها عاودت الاتصال في الساعة 8:48، بعدما تعذر عليها إعادة تشغيل نظام "إل زد بي". ووفقًا للتسجيلات الصوتية، لم يتلقَّ سائق قطار "آفي" تحذيرًا بضرورة التوقف.

وفي الساعة 8:53، وقع الاصطدام، بعدما قطع قطار "آفي" نحو 25 كيلومترًا منذ استئناف سيره، أي بعد 17 دقيقة من صدور الإذن. وينص نظام السير اعتمادًا على الرؤية، الذي يُلجأ إليه عند تعطل نظام الإشارات الرئيسي، على ألا تتجاوز السرعة 40 كيلومترًا في الساعة.

ووصف وزير النقل أوسكار بوينتي قرار السماح لقطار "آفي" باستئناف السير بأنه "غير مفهوم". لكن "يورونيوز" تشدد على أن العطل الحاسوبي لا يكفي وحده لتفسير ما حدث، وأن المسؤوليات لم تُحسم بعد.

ويتولى محكمة التحقيق رقم 2 في بلدة أورغاث النظر في القضية، وسط سرية التحقيق. وقد فرضت قيودًا على الوصول إلى منطقة تمتد كيلومترين حول موقع الحادث، وأمرت بحراسة الصندوقين الأسودين للقطارين. ومن المقرر أيضًا إجراء تحقيق فني مستقل، فيما استجوب الحرس المدني الموظف المسؤول عن مراقبة حركة القطارات وقت الحادث.

صيانة البنية التحتية والاستثمار

أعاد حادث آدموس فتح النقاش بشأن حجم الاستثمارات المخصصة لصيانة البنية التحتية للسكك الحديدية. وكان وزير النقل قد تناول هذه المسألة في يناير/كانون الثاني، وفقًا لما ورد في بيان وزارة النقل الإسبانية.

ومع ذلك، لا تزال الاستثمارات الإسبانية في صيانة البنية التحتية أقل من مستويات الإنفاق المسجلة في دول أوروبية أخرى، بحسب دراسة للمعهد الاقتصادي الإسباني. ويطرح هذا التفاوت تساؤلات بشأن مدى مواكبة الإنفاق على الصيانة لاتساع شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة، التي تحتل إسبانيا المرتبة الثانية عالميًا من حيث طولها، بعد الصين.

ورفض أبيلاردو كارِّييو، المدير السابق للسكك الحديدية عالية السرعة في إسبانيا، اعتبار الخطأ البشري وحده تفسيرًا كافيًا لحادث بهذا الحجم، وذلك في مقابلة مع قناة "تيليسينكو". وقال إن الإجراءات المعمول بها وُضعت لمنع وقوع مثل هذه الحوادث، مشددًا على ضرورة أن يحدد التحقيق أسباب ما حدث والظروف التي أدت إلى الاصطدام.

واستبعد كارِّييو أن تكون زيادة عدد الرحلات سببًا في تراجع أداء الشبكة، داعيًا الجهات المسؤولة إلى إعطاء الأولوية للسلامة، والعمل على استعادة ثقة الركاب وضمان انتظام الخدمات وموثوقيتها.

وأضاف أن افتتاح خطوط جديدة وشراء قطارات إضافية قد يكونان مفيدين على المدى الطويل، لكن الأولوية في المرحلة الحالية، بحسب قوله، تتمثل في استعادة الثقة في شبكة السكك الحديدية.