ثلاثة فئران تحاول سرقة حذاء، وأرنبان يعثران في حذاء آخر على مكان دافئ للنوم، فيما تتجوّل الممثلة مايا هوك وسط غابة شتوية تسكنها حيوانات خرجت من حكايات الطفولة. مشاهد قد تبدو مقتطعة من أحد أفلام الرسوم المتحركة الكلاسيكية، لكنها تنتمي إلى حملة أعياد دار الأزياء الإيطالية "برادا" (Prada) لعام 2026، التي اختارت أن تعود إلى الورقة والقلم في زمن بات فيه إنتاج الصور المتحرّكة ممكناً خلال ثوانٍ بفضل الذكاء الاصطناعي.
تحمل الحملة عنوان "Drawing Prada: Animated by Hand"، وتجمع بين التصوير السينمائي الحيّ والرسوم المتحرّكة المنفّذة يدوياً، في تجربة تستعيد جماليات أفلام الرسوم المتحرّكة التقليدية، وتمنح الحرفة الفنية موقعاً أساسياً في صناعة الصورة الإعلانية المعاصرة.
واللافت أن "برادا" لم تكتفِ بعرض النتيجة النهائية، إذ خصّصت فيلماً آخر لكواليس العمل، تُظهر فيه الرسّامين وهم يمنحون الشخصيات ملامحها وحركاتها، ويحوّلون الخطوط الأولى على الورق إلى عالم ينبض بالحياة.

من أفلام ديزني إلى عالم "برادا"
لإنجاز الحملة، استعانت الدار بالرسّام الأميركي المخضرم جون بوميروي (John Pomeroy)، أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الرسوم المتحرّكة مدى أكثر من خمسة عقود.
بدأ بوميروي مسيرته في استوديوات "ديزني" عام 1973، وعمل مع الرسّام الشهير فرانك توماس، أحد أبرز روّاد التحريك الكلاسيكي. وشارك لاحقاً في تأسيس استوديوات دون بلوث (Don Bluth Productions)، قبل أن يعود إلى "ديزني"، حيث أشرف على تحريك شخصية جون سميث في فيلم "Pocahontas".
وتضمّ مسيرته أعمالاً معروفة، منها "An American Tail" و"The Land Before Time" و"Thumbelina"، وهي أفلام ارتبطت بذاكرة أجيال نشأت على شخصيات رُسمت إطاراً بعد آخر، قبل أن تهيمن التقنيات الرقمية على صناعة التحريك.
في الحملة الجديدة، قاد بوميروي فريقاً من الرسّامين المتخصّصين في التحريك التقليدي، بينهم توم بانكروفت (Tom Bancroft)، الذي وصف التعاون في فيلم الكواليس كأنّ بوميروي جمع الفرقة القديمة مجدداً.
ويقول بوميروي في الفيلم: "تعلّمت حرفتي باستخدام القلم والورقة"، مستعيداً طريقة العمل التي رافقته منذ بداياته، حين كانت صناعة حركة واحدة تتطلّب سلسلة من الرسوم المتتابعة، والكثير من الملاحظة والصبر والدقّة.
حين تلتقي الصورة الفوتوغرافية الرسوم المتحرّكة
تشارك في الحملة مجموعة من الوجوه الشابة، أبرزها مايا هوك (Maya Hawke) وسايدي سينك (Sadie Sink)، إلى جانب تشن هاويو، ولوثر فورد، وكالفن هاريسون جونيور.
وتولّى المصوّر والمخرج غلين لوتشفورد (Glen Luchford) تصوير المشاهد وإخراجها، مع عناية خاصة بالإضاءة وزوايا التصوير، لضمان انسجام الممثلين الحقيقيين مع البيئات المرسومة من حولهم.
في أحد المشاهد، تتسبّب هبّة ريح شتوية بتغيير إطلالة مايا هوك من فستان أحمر إلى ملابس تناسب البرد. وفي مشهد آخر، تنشغل فئران صغيرة بحذاء سايدي سينك، فيما تتحوّل الأحذية والحقائب إلى عناصر في حكايات الحيوانات التي تسكن هذا العالم المتخيّل.
تستعيد هذه التفاصيل روح أفلام الرسوم المتحركة القديمة، حين كانت الشخصيات المرسومة قادرة على التعبير عن الدهشة والمكر والفرح من خلال حركة العينين أو تبدّل تعابير الوجه. وتصبح قطع الأزياء جزءاً من الأحداث، تتفاعل معها الشخصيات عوضاً عن الاكتفاء بعرضها أمام الكاميرا.
ما الذي يبقى ليد الرسّام في عصر الذكاء الاصطناعي؟
يأتي اختيار "برادا" للرسم اليدوي في مرحلة تشهد فيها الصناعات الإبداعية توسّعاً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، من تصميم الصور إلى إنتاج الفيديو والمؤثرات البصرية.
ولم تقدّم الدار حملتها بوصفها موقفاً معارضاً لهذه التقنيات، وإنما ربطتها بقيمة الحرفة الإنسانية، وبالقصص التي تنتقل من جيل إلى آخر، وبالعلاقة التي تنشأ بين المبدع والعمل الذي يصنعه.
لكنّ هذا الاختيار يفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل الرسم والتحريك التقليدي. فمع قدرة الأدوات الرقمية على اختصار مراحل طويلة من الإنتاج، تبرز مجدداً قيمة المهارات التي تحتاج إلى سنوات من التعلّم والممارسة، وقدرة الرسّام على منح الشخصية أسلوباً وحضوراً خاصين.
وفي تصريح تناول فيه تجربته مع الحملة، شدّد بوميروي على أهمية اللمسة البشرية، وعلى أن الأعمال المرسومة والمصنوعة باليد ما زالت حيّة وقادرة على تقديم لغة فنية مختلفة.
ربما تكمن أهمية الحملة في أنها تمنح الجمهور فرصة لرؤية ما يحدث قبل ظهور الصورة المكتملة. فخلف شخصية تتحرّك لثوانٍ على الشاشة، هناك رسّام يدرس تعابيرها، وآخر يضبط حركتها، وسلسلة طويلة من الخطوط والمحاولات والتعديلات.
اختارت "برادا" هذه المرّة أن تُظهر اليد التي ترسم، وأن تمنح أصحابها حضوراً إلى جانب النجوم الذين يظهرون أمام الكاميرا. وفي صناعة اعتادت تقديم الصورة النهائية بأقصى درجات الإتقان، تصبح مشاهدة مراحل صنعها جزءاً من متعة الحكاية.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر