من يراقب أموال الأحزاب في العراق؟ وكيف يمكن منع استغلال مؤسسات الدولة في المنافسة الانتخابية، والفصل بين العمل السياسي والأجنحة المسلحة؟ ثلاثة ملفات حساسة يدفع بها حراك برلماني في بغداد لتعديل قانون الأحزاب، وسط شكوك في قدرة التشريعات الجديدة المفترضة على إخضاع القوى النافذة للمحاسبة.

 

ويستهدف الحراك مراجعة قانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015، بعدما كشفت الممارسة السياسية خلال السنوات الماضية ثغرات في الرقابة على التمويل والنفوذ الحكومي وعلاقة الأحزاب بالسلاح. وتبرز أهمية التعديلات المطروحة في قدرتها على معالجة مشكلات التطبيق، خصوصاً أن القانون النافذ يتضمن بالفعل أحكاماً تنظم هذه الملفات.

 

المال السياسي

يتصدر التمويل محاور التعديل المطروح، في ظل تأثير المال السياسي في المنافسة الانتخابية. ورغم أن القانون الحالي حدد مصادر التمويل المشروعة، وألزم الأحزاب بمسك سجلات مالية وتقديم حسابات سنوية للتدقيق، تتجه المطالب البرلمانية نحو رقابة أكثر تشدداً تشمل مصادر الأموال والجهات المانحة وأوجه الإنفاق.

 

ويهدف هذا التوجه إلى منع تسرب الأموال مجهولة المصدر أو المتأتية من أنشطة غير قانونية إلى خزائن الأحزاب وحملاتها الانتخابية، والحد من التفاوت المالي بين القوى السياسية.

 

ويؤكد عضو مجلس النواب العراقي محمد الخفاجي، لـ"النهار"، أهمية مراجعة التشريعات المنظمة للعمل الحزبي، معتبراً أن التعديل أصبح ضرورة لمعالجة الثغرات التي أفرزتها التجربة السياسية وتعزيز الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.

 

ويرى أن المطلوب معالجات فعلية لمصادر التمويل وآليات مراقبة الإنفاق، محذراً من أن غياب الرقابة الجدية يسمح بتدفق الأموال غير المشروعة ويمنح بعض القوى قدرة غير متكافئة على التأثير في نتائج الانتخابات.

 

لكن رئيس مركز الرفد للدراسات الاستراتيجية عباس الجبوري يذهب أبعد من ذلك. ففي حديثه إلى "النهار"، يعتبر أن تدقيق البيانات المالية الرسمية وحده لن يكشف بالضرورة مصادر الأموال الكبيرة والجهات التي تقف وراءها، ما لم تتوافر القدرة على تتبعها ومحاسبة المتورطين بعيداً عن الحسابات السياسية.

 

نفوذ السلطة

تفتح التعديلات المقترحة ملفاً آخر يتعلق باستغلال المناصب الحكومية والموارد العامة ومؤسسات الحكومة العراقية لمصلحة الأحزاب والمرشحين.

 

وتسعى الضوابط المطروحة إلى منع توظيف إمكانات الدولة في الدعاية الانتخابية، وسط تساؤلات عن قدرة الأحزاب محدودة الإمكانات على منافسة قوى تمتلك نفوذاً حكومياً ومالياً واسعاً.

 

ويشير الخفاجي إلى أن وجود نصوص قانونية تنظم العمل الحزبي لا يضمن تطبيقها بصورة متساوية، خصوصاً عندما تتداخل مصالح القوى السياسية مع الجهات المكلفة بتنفيذ القانون ومراقبة الالتزام به.

 

ويحذر من تحول التشريعات إلى "نصوص حبر على ورق" عندما تصطدم بمصالح القوى النافذة، بما يؤدي إلى تعطيل المساءلة أو تطبيق القانون بصورة انتقائية.

 

ويتفق الجبوري مع هذا التشخيص، معتبراً أن المشكلة في البلاد تتصل بمنظومة المصالح التي تتحكم بتنفيذ القوانين أكثر من ارتباطها بنقص التشريعات.

ويتساءل: "من يستطيع محاسبة القوى النافذة عندما تخالف القانون؟".

 

ويطرح الخبير تساؤلاً آخر بشأن استعداد الجهات المستفيدة من المال السياسي والنفوذ الحكومي للتخلي عن امتيازاتها بمجرد إقرار مواد قانونية جديدة، في وقت تشارك فيه القوى السياسية نفسها في صياغة القواعد التي يفترض أن تضبط عملها.

 

وتزداد أهمية هذه المسألة في مشهد حزبي يضم قوى منضوية في الإطار التنسيقي وأخرى خارجه، ما يطرح مسألة إخضاع مختلف الأحزاب للمعايير الرقابية نفسها، بصرف النظر عن مواقعها في السلطة.

 

 

معضلة السلاح

يبقى الفصل بين العمل الحزبي والنشاط المسلح الملف الأكثر حساسية في النقاش البرلماني، مع طرح قيود تمنع الجمع بين المشاركة السياسية وامتلاك الأجنحة المسلحة.

 

ويستهدف هذا التوجه الحيلولة دون استخدام القوة أو التلويح بها للتأثير في خيارات الناخبين والقرار السياسي، وتعزيز مبدأ حصر السلاح بيد الدولة.

 

وتكتسب المسألة تعقيداً إضافياً مع استمرار الجدل بشأن العلاقة بين بعض الفصائل العراقية والعمل السياسي، والحاجة إلى التمييز بين الأجنحة المسلحة التابعة للأحزاب والحشد الشعبي، الذي يتمتع بوضع قانوني ضمن القوات المسلحة العراقية وينص قانون تنظيمه على منع العمل السياسي في صفوفه.

 

ورغم أن قانون الأحزاب النافذ يتضمن التزامات باحترام الدستور وسيادة القانون وحيادية الوظيفة العامة، فضلاً عن أحكام تتعلق بحظر تملك الأسلحة والمتفجرات خلافاً للقانون، فإن الجدل يتمحور حول مدى فاعلية هذه النصوص وإمكان تطبيقها على جميع الأطراف.

 

ويضع الخفاجي الفصل بين النشاط السياسي والعمل المسلح في صلب أي تعديل تشريعي، معتبراً أن معالجة هذه العلاقة ضرورية لتنظيم المنافسة السياسية وضمان عدم تأثرها بالنفوذ المسلح.

 

أما الجبوري، فيحذر من اختزال القضية بإجراءات إدارية أو بمنع جهة معينة من المشاركة في الانتخابات. ويرى أن المعالجة تتطلب إنهاء البيئة التي تسمح باستخدام القوة والنفوذ للتأثير في القرار السياسي، وفرض سلطة الدولة وحصر السلاح بمؤسساتها.

 

ويخشى أن يتحول تعديل قانون الأحزاب إلى محاولة لتجميل المشهد السياسي إذا بقيت القيود مقتصرة على القوى الأقل نفوذاً، فيما تظل الجهات الأكثر تأثيراً بعيدة عن المحاسبة.

 

وهكذا، تتجاوز التعديلات المرتقبة مسألة تنظيم سجلات الأحزاب ومصادر تمويلها. فمدى فاعليتها سيظهر في قدرة الجهات الرقابية والقضائية على تطبيق القواعد نفسها على جميع القوى، بما فيها تلك التي تجمع بين النفوذ المالي والحضور الحكومي والقوة المسلحة.