لا يحتاج عشاق الفلك إلى السفر بعيدا لمشاهدة بعض أجمل عروض الكون، فسماء نوفمبر/تشرين الثاني 2026 تحمل سلسلة من الظواهر التي يمكن متابعة معظمها بالعين المجردة، بينما يحتاج بعضها إلى منظار أو تلسكوب صغير.
فخلال هذا الشهر، تتسابق شهب الثوريات والأسديات على خطف الأنظار، ويظهر المريخ والمشتري والقمر في مشهد تقارب ظاهري لمرتين في أول الشهر وآخره، بينما يحظى عطارد بفرصة مناسبة للرصد بعيدا عن وهج الشمس.
أخبار مقترحة
وفي النصف الثاني من الشهر، يكتمل القمر في مشهد يعرف بالقمر العملاق، ويصل أورانوس إلى التقابل، ويتألق الزهرة في سماء الفجر، قبل أن تختتم الأيام الأخيرة بمشهد يجمع القمر وعددا من الأجرام اللامعة.
وتتميز هذه الأحداث بأنها لا تقتصر على المشاهد الجميلة، بل تتيح أيضا فهم عدد من الظواهر الفلكية، مثل حركة الكواكب حول الشمس، وأسباب اختلاف لمعانها، وطبيعة الشهب، وتأثير المسافة في الحجم الظاهري للقمر.
وفي هذا الدليل نستعرض ثمانية أحداث فلكية بارزة خلال نوفمبر/تشرين الثاني، مع مواعيدها وأهميتها العلمية، وأفضل الظروف لمتابعتها من مختلف أنحاء العالم العربي، مع مراعاة اختلاف ظروف الرؤية من بلد إلى آخر.
1- شهب الثوريات.. كرات نارية قد تخطف الأنظار
الأربعاء/الخميس 4-5 والأربعاء/الخميس 11-12 نوفمبر/تشرين الثاني
تعود شهب الثوريات إلى سماء الأرض خلال نوفمبر/تشرين الثاني، مع ذروتين منفصلتين للفرعين الجنوبي والشمالي من الزخة. ورغم أن معدل الشهب المتوقع لا يتجاوز نحو خمسة شهب في الساعة لكل فرع في الظروف المثالية، فإن شهرتها لا ترتبط بعدد الشهب، بل بإمكانية ظهور كرات نارية شديدة اللمعان.
وتنشأ الظاهرة عندما تدخل جسيمات من بقايا مذنب قديم الغلاف الجوي للأرض، فتحترق وتنتج خطوطا ضوئية قد تستمر عدة ثوان. وتتميز الثوريات بوجود جسيمات أكبر نسبيا من تلك التي تغذي كثيرا من الزخات الأخرى، مما يزيد فرص ظهور الشهب اللامعة.
وتعد ليالي بداية نوفمبر مناسبة للرصد بسبب ضعف إضاءة القمر، خصوصا في المواقع الصحراوية البعيدة عن المدن، لكن ظهور كرة نارية لا يمكن ضمانه، حتى في ليلة الذروة.
2- المريخ والمشتري.. لقاء بين عالمين مختلفين
الأحد/الاثنين 15-16 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل الفجر
يقترب كوكبا المريخ والمشتري ظاهريا في سماء الفجر، حتى تصبح المسافة الزاوية بينهما أقل من درجة واحدة، أي ما يعادل تقريبا عرض إصبع الخنصر عند مد الذراع، ويمكن مشاهدة الكوكبين بالعين المجردة في كوكبة الأسد، حيث يتألق المشتري بلونه الأبيض الساطع إلى جانب المريخ المائل إلى الحمرة.
ورغم تقاربهما في السماء، فإنهما يظلان بعيدين جدا عن بعضهما في الفضاء، لأن الاقتران مجرد نتيجة لاختلاف مواقع الكواكب وحركتها حول الشمس كما نراها من الأرض.
ويقدم الحدث فرصة جذابة للمصورين وهواة الفلك، إذ يمكن جمع الكوكبين في مجال رؤية واحد بالمنظار، مع نجم قلب الأسد القريب منهما ظاهريا، وأفضل فرصة لرصدهما تكون في الساعات السابقة لشروق الشمس.
3- شهب الأسديات.. ذكرى عواصف أضاءت السماء
ليلة الثلاثاء/ الأربعاء 17-18 نوفمبر/تشرين الثاني
تبلغ شهب الأسديات ذروتها في ليلة 17-18 نوفمبر/تشرين الثاني، وسط ظروف رصد ملائمة نسبيا، إذ يغيب القمر قرب منتصف الليل، تاركا السماء أكثر ظلمة في الساعات التي تسبق الفجر. ومن المتوقع ظهور نحو 10 إلى 15 شهابا في الساعة تحت سماء صافية ومظلمة، مع احتمال انخفاض العدد الفعلي بحسب ظروف الرصد.
وتنشأ الأسديات من الغبار الذي يخلفه المذنب تمبل-تتل (55P/Tempel–Tuttle) على امتداد مداره حول الشمس، وعندما تعبر الأرض هذا الحطام، تدخل الجسيمات غلافها الجوي بسرعات عالية، فتنتج شهابا سريعة ومضيئة.
وتحمل هذه الزخة تاريخا استثنائيا، إذ أنتجت في بعض السنوات الماضية عواصف شهابية ضخمة ظهرت خلالها آلاف الشهب في الساعة، لكن لا توجد توقعات بحدوث عاصفة مماثلة هذا العام.
4- عطارد يظهر بعيدا عن وهج الشمس
السبت/ الأحد 20-21 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل الشروق
يصل عطارد إلى استطالته الغربية العظمى صبيحة يوم الأحد 21 نوفمبر/تشرين الثاني، عندما تبلغ المسافة الزاوية الظاهرية بينه وبين الشمس نحو 20 درجة. وتوفر هذه الوضعية إحدى أفضل الفرص لرصد أصغر كواكب المجموعة الشمسية في سماء الصباح خلال هذه الفترة.
ويصعب عادة مشاهدة عطارد بسبب قرب مداره من الشمس، إذ يظهر منخفضا قرب الأفق خلال الشفق، ولا يبتعد كثيرا عن وهجها. أما في النصف الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، فيمكن البحث عنه فوق الأفق الشرقي قبل الشروق، مع ضرورة اختيار مكان مكشوف يخلو من المباني والمرتفعات.
وسيكون الزهرة اللامع موجودا أيضا في سماء الفجر، مما يمنح الراصدين فرصة لمقارنة الكوكبين.
5- القمر العملاق.. بدر بدور جمادى الأولى أكبر وأكثر سطوعا
الثلاثاء 24 نوفمبر/تشرين الثاني، الساعة 5:53 مساء بتوقيت مكة (14:53 غرينتش)
يشهد نوفمبر/تشرين الثاني ظهور قمر عملاق عندما يتزامن اكتمال البدر مع وجود القمر بالقرب من أقرب نقطة إلى الأرض في مداره البيضاوي. ويحدث ذلك يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل نحو يومين من وصول القمر إلى الحضيض، حيث تنخفض المسافة بينه وبين الأرض إلى نحو 359 ألف كيلومتر، وليست هي أقصر مسافة بين القمر والأرض، فأقرب مسافة تصل إلى 355 ألف كيلومتر.
ويبدو القمر العملاق أكبر وأكثر سطوعا من البدر الذي يحدث بالقرب من أبعد نقطة في مداره، لكن الفارق لا يكون واضحا دائما للعين المجردة. وتزداد جاذبية المشهد عند شروق القمر، عندما يبدو ضخما بالقرب من المباني والأشجار، وهي ظاهرة بصرية لا تعني زيادة فعلية في حجمه.
ويعرف بدر نوفمبر/تشرين الثاني في التقاليد الشعبية بأمريكا الشمالية باسم "قمر القندس"، وهي تسمية ثقافية لا ترتبط بخصائصه الفلكية، أما في الثقافة العربية فكل بدر عملاق هو بدر البدور، وهو في هذا الشهر هو بدر جمادى الأولى 1448هـ.
6- أورانوس في التقابل.. فرصة لرؤية الكوكب الجليدي
الأربعاء 25 نوفمبر/تشرين الثاني، طوال الليل
يصل كوكب أورانوس إلى التقابل مع الشمس في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، وهي الوضعية التي تقع فيها الأرض تقريبا بين الشمس والكوكب، مما يجعله أقرب إلى الأرض وأكثر سطوعا خلال العام.
ويظهر أورانوس في كوكبة الثور، ويمكن رصده طوال معظم ساعات الليل، لكن رؤيته بالعين المجردة تظل صعبة للغاية، حتى في المواقع المظلمة. ويحتاج معظم الراصدين إلى منظار جيد أو تلسكوب لتحديد موقعه، بينما يكشف التكبير المناسب عن قرصه الصغير ذي اللون الأزرق المخضر.
ويعد أورانوس من أكثر كواكب المجموعة الشمسية غرابة، إذ يدور حول محوره بميل شديد يقارب 98 درجة، مما يجعل محوره شبه مستلق على مستوى مداره، ويوفر التقابل فرصة لشرح طبيعة العمالقة الجليدية واختلافها عن المشتري وزحل.
7- الزهرة في ذروة لمعانه.. لماذا يتألق كالهلال؟
أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، بعد الفجر
يبلغ كوكب الزهرة أقصى لمعانه خلال ظهوره الصباحي في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، ليصبح أكثر الأجرام تألقا في سماء الفجر بعد القمر. وقد يصل لمعانه الظاهري إلى نحو القدر سالب 4.6، وهو سطوع يسمح برؤيته بسهولة فوق الأفق الشرقي قبل الشروق.
وتكمن المفارقة في أن الزهرة لا يكون مكتمل الإضاءة عندما يبلغ أشد لمعانه، بل يظهر بالتلسكوب على هيئة هلال عريض نسبيا. والسبب أن لمعانه يعتمد على عاملين متنافسين هما مقدار الجزء المضاء من قرصه، والمسافة التي تفصله عن الأرض.
فكلما اقترب الزهرة من الأرض بدا قرصه أكبر، لكن الجزء المضاء الذي نراه يصبح أصغر. وعند نقطة معينة يحقق التوازن بين العاملين أعلى سطوع ظاهري، وهي فرصة لشرح أطوار الكواكب الداخلية بطريقة مبسطة.
8- القمر والمريخ والمشتري وقلب الأسد.. مشهد رباعي للمرة الثانية
الأحد 29 نوفمبر/تشرين الثاني، 11 مساء
تجتمع أربعة أجرام بارزة ظاهريا في منطقة واحدة من مساء يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني، عندما يظهر القمر بالقرب من المشتري والمريخ ونجم قلب الأسد، ألمع نجوم كوكبة الأسد، وذلك للمرة الثانية بعد ظهورهما يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني.
ويشكل المشهد فرصة جميلة للرصد والتصوير، إذ يمكن تمييز المشتري بسطوعه الأبيض القوي، والمريخ بلونه المحمر، بينما يظهر قلب الأسد بلونه الأبيض المائل إلى الزرقة. أما القمر فيكون في طور الأحدب المتناقص، بعد نحو ستة أيام من اكتماله.
ولا يعني هذا التجمع أن الأجرام متقاربة فعليا، فالقمر يبعد عنا مئات آلاف الكيلومترات، بينما تفصلنا عن الكوكبين مسافات تبلغ مئات الملايين من الكيلومترات، ويقع قلب الأسد على بعد نحو 79 سنة ضوئية.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر