من شوارع الميدان إلى استوديوهات البرامج الصباحية، وصولًا إلى الأمم المتحدة، تخوض الإعلامية داليا أشرف مرحلة جديدة في مسيرتها المهنية، بعد اختيارها مستشارة إعلامية إقليمية في ملف تغيّر المناخ، لتجمع بين الخبرة الإعلامية والبحث الأكاديمي وصناعة الوعي المجتمعي. 

وفي حوار خاص، تكشف كواليس رحلتها من العمل مراسلة إلى تقديم البرامج، وأبرز محطاتها في القنوات الفضائية، وتجربتها الأكاديمية، ورؤيتها لمستقبل الإعلام المناخي في المنطقة العربية، ودور الإعلام في مواجهة التضليل وبناء وعي الأجيال الجديدة.

بدأتِ مشواركِ الإعلامي من العمل مراسلةً، ثم انتقلتِ إلى تقديم البرامج.. ماذا علمتكِ الشوارع والميدان، ولم يكن من الممكن أن تتعلميه داخل الاستوديو؟

 أعتقد أن أهم شيء تعلمته من عملي مراسلةً ميدانيةً في الشارع هو أن الإعلام ليس مجرد معلومات ننقلها، ولكنه حياة نقترب منها ونحاول فهمها. ففي الميدان نتعامل مع أشخاص مختلفين، وظروف غير متوقعة، وقصص إنسانية لا يمكن أن نتعلمها من الكتب أو من خلف الكاميرا.

الميدان علمني سرعة التصرف، والقدرة على الاستماع، والاستعداد الدائم لما لا أتوقعه. والأهم أنه علمني ألا أحكم على الأحداث من بعيد؛ لأن هناك دائمًا تفاصيل إنسانية قد لا تظهر في الصورة الأولى.

أعتقد أن المراسلة الجيدة لا تنقل الخبر فقط، بل تحاول فهم ما وراء الخبر، وهذه واحدة من أهم القيم التي أخذتها معي عندما انتقلت إلى الاستوديو.

عملتِ في أكثر من قناة، ومررتِ بتجارب إعلامية مختلفة.. ما الفارق الذي وجدته بين العمل مراسلةً والعمل مقدمةَ برامج؟ وأيهما كان الأقرب إلى شخصيتك؟

هناك اختلاف كبير بين التجربتين، رغم أن كلتيهما تكمل الأخرى.

المراسلة تكون في قلب الحدث، وعليها أن تتفاعل بسرعة مع الواقع وتنقل الصورة كما تحدث. أما مقدمة البرامج، فتتحمل مسؤولية أكبر في إدارة الصورة الكاملة، واختيار الموضوعات، وطرح الأسئلة، وإدارة الحوار، وربط التفاصيل بعضها ببعض حتى تصل المعلومة إلى الجمهور بشكل واضح.

بالنسبة لي، أحببت في المراسلة الحركة والتحدي والاقتراب من الناس، وفي تقديم البرامج أحببت مساحة الحوار والقدرة على مناقشة القضايا بعمق أكبر.

لا أستطيع القول إن إحداهما أقرب إلى شخصيتي من الأخرى؛ لأن كل مرحلة أضافت إليّ شيئًا مختلفًا. لكنني أعتقد أن الجمع بين التجربتين هو ما صنع شخصيتي الإعلامية.

عندما بدأتِ تقديم البرنامج الصباحي على قناة النهار عام 2015، كيف تغيرت علاقتكِ بالكاميرا والجمهور مقارنة بمرحلة العمل مراسلةً؟

في الحقيقة، كانت تجربة مختلفة تمامًا. عندما تعملين مراسلةً، تكون علاقتك بالكاميرا مرتبطة بالحدث الذي تقومين بتغطيته، أما في البرنامج الصباحي، فأنتِ تدخلين يوميًا إلى بيوت الناس، وتصبحين جزءًا من روتينهم الصباحي.

بدأت أفهم أن الجمهور لا ينتظر منكِ فقط تقديم الأخبار، ولكنه ينتظر أيضًا أن تكوني قريبة منه، وأن يشعر بالثقة والراحة وهو يستمع إليكِ.

ومع الوقت، أصبحت الكاميرا بالنسبة لي مساحة للتواصل وليست مجرد أداة للعمل. أنا بطبيعتي عفوية، وأحب أن أكون على طبيعتي دون تكلف، لكن يجب أن تكون هذه العفوية مصحوبة بالتحضير والمعرفة والمهنية.

برنامج «8 الصبح» كان محطة مهمة في مسيرتكِ.. ما أصعب شيء في تقديم برنامج صباحي يومي؟ وكيف كنتِ تستعدين للحلقة قبل الظهور على الهواء؟

البرنامج الصباحي اليومي له طبيعة خاصة جدًا؛ لأنكِ مطالبة بأن تكوني حاضرة ذهنيًا، وتتمتعي بطاقة إيجابية، حتى في الأيام التي تكونين فيها مرهقة أو تمرين بظروف شخصية.

دائمًا ما يقال لي إنني «وجه صبوح». لم أفهم هذه العبارة في البداية، لكنني مع الوقت أدركت أن الوجه الصبوح يرتبط بالابتسامة والطاقة الإيجابية والأمل. فالناس تستيقظ لتبدأ يومًا جديدًا بأمل جديد، وتريد أن تنسى الأمس بمشكلاته، وهنا يأتي دور الإعلامي؛ إذ يجب أن يفتح المشاهد التلفزيون فيجد طاقة أمل وإيجابية.

وهذا ما حرصت عليه طوال عملي في برنامج «8 الصبح» لمدة 9 سنوات متتالية. كما أنني كنت موجودة في أول حلقة من أول بث لقناة DMC.

وعلى مدار هذه السنوات، كان أصعب شيء هو الحفاظ على مستوى ثابت من التركيز والحيوية، مع متابعة كم كبير من الأخبار والتطورات، والاستعداد لمناقشة موضوعات مختلفة تمامًا في الحلقة الواحدة.

كنت أؤمن دائمًا بأن الظهور أمام الكاميرا يبدأ قبل دخول الاستوديو بوقت طويل؛ فهناك متابعة للأخبار، وقراءة للموضوعات، وفهم لخلفياتها، وتحضير للأسئلة، وليس مجرد معرفة العناوين.

والأهم بالنسبة لي أن أكون مستعدة لفهم الموضوع، وليس فقط لقراءة ما هو مكتوب أمامي؛ لأن الجمهور يستطيع التمييز بين المذيع الذي يفهم ما يقول، والمذيع الذي يكتفي بتقديم النص.

وهنا أود الإشارة إلى أن دراستي الأكاديمية أضافت لي الكثير؛ فأنا حاصلة على درجتي ماجستير من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتعلمت من خلالهما البحث العلمي وتحليل المحتوى ودراسة الموضوعات بعمق ومن جوانب مختلفة.

على مدار سنوات العمل أمام الكاميرا، هل تغيرت طريقة داليا أشرف في إدارة الحوار وطرح الأسئلة والتعامل مع الضيوف؟ وما الذي تعلمتِه من أخطائكِ الأولى؟

بالتأكيد تغيرت كثيرًا، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي وصحي لأي شخص يعمل في الإعلام.

في البداية، ربما يكون التركيز الأكبر على الالتزام بالأسئلة، والتحضير الجيد، ومحاولة تقديم حوار ناجح. لكن مع الخبرة، تتعلمين أن الحوار ليس قائمة أسئلة يجب الانتهاء منها، وإنما مساحة للتفكير والاستماع والتفاعل.

وبالتأكيد، أضافت الخبرات العملية والأكاديمية الكثير إلى شخصيتي المهنية. أصبحت أكثر اهتمامًا بالاستماع إلى إجابة الضيف، وليس فقط انتظار الفرصة لطرح السؤال التالي.

غطيتِ أحداثًا سياسية واقتصادية مهمة مراسلةً.. ما أصعب موقف ميداني لا يزال حاضرًا في ذاكرتكِ حتى اليوم؟

أعتقد أن أصعب ما في العمل الميداني ليس دائمًا موقفًا بعينه، وإنما طبيعة المسؤولية التي تتحملينها عندما تكونين في قلب حدث متغير، والناس ينتظرون منكِ أن تنقلي إليهم الصورة بدقة وموضوعية.

هناك ضغط الوقت، وتغير المعلومات، وأحيانًا صعوبة الوصول إلى المصادر أو التأكد من التفاصيل. وفي هذه اللحظات تدركين أن مسؤوليتك ليست أن تكوني أول من يتحدث، بل أن تكوني دقيقة فيما تقولين.

أكثر ما يظل عالقًا في ذاكرتي من تجربة الميدان هو إدراكي أن وراء كل حدث أشخاصًا وحكايات وتجارب إنسانية، وأن التعامل مع هذه القصص يتطلب احترامًا كبيرًا للناس ولمشاعرهم.

وهذا ما جعلني أؤمن بأن المهنية لا تُقاس فقط بسرعة نقل الخبر، ولكن أيضًا بمدى مسؤوليتنا تجاه الحقيقة والناس.

المذيع قد يواجه أحيانًا ضيفًا صعبًا أو إجابة غير متوقعة على الهواء.. كيف تتعاملين مع المواقف التي تخرج عن السيناريو دون أن يفقد الحوار توازنه؟

أول قاعدة بالنسبة لي هي ألا أفقد هدوئي. عندما يحدث شيء غير متوقع على الهواء، يجب ألا يشعر المشاهد بأن المذيع فقد السيطرة على الحوار.

أحاول أولًا أن أستمع جيدًا لما يقوله الضيف، ثم أعيد توجيه النقاش من خلال سؤال واضح ومباشر.. وأحيانًا تكون الإجابة غير المتوقعة فرصة للوصول إلى معلومة أو زاوية لم تكن موجودة في التحضير الأصلي.

لكن في الوقت نفسه، هناك فرق بين المرونة والتنازل عن إدارة الحوار. يجب أن يكون للمذيع حضور وشخصية، وأن يعرف متى يترك الضيف يتحدث، ومتى يتدخل لإعادة النقاش إلى مساره.

وأعتقد أن الخبرة تعلمك أن السيناريو هو نقطة بداية، وليس قيدًا يمنعك من التفكير والتصرف. لذلك فإن التحضير الجيد والمعرفة يساعدان المذيع على إدارة الحوار وإنجاحه.

هل ترين أن المذيع الناجح اليوم يحتاج إلى مهارات مختلفة عما كان يحتاجه قبل سنوات، خصوصًا مع انتشار السوشيال ميديا وتغير طريقة الجمهور في متابعة الأخبار والبرامج؟

بالتأكيد. الإعلام تغير بشكل كبير، ولم يعد المذيع مجرد شخص يظهر على الشاشة ويقدم محتوى للجمهور.

وكان هذا موضوع رسالتي في الماجستير، التي تناولت العلاقة بين دوافع الجمهور لمتابعة الإعلام الرياضي العالمي، ودور الكفاءة الثقافية للمذيعين الرياضيين في تعزيز التفاعل والارتباط النفسي بين المذيع والجمهور، وصولًا إلى بناء علاقة مستمرة من الالتزام والمتابعة للقناة.

اليوم نحن أمام جمهور يمتلك مصادر متعددة للمعلومات، ويستطيع الوصول إلى الخبر من هاتفه في أي وقت. لذلك لم يعد التحدي هو الوصول إلى المعلومة فقط، وإنما القدرة على التحقق منها وتحليلها وتقديم سياق يساعد الجمهور على فهمها، وهذا من أهم النتائج التي توصلت إليها رسالتي.

المذيع اليوم يحتاج إلى مهارات رقمية، وثقافة عامة واسعة، وقدرة على التواصل عبر منصات مختلفة، بالإضافة إلى مهارات الحوار والتقديم التقليدية.

وأعتقد أن أهم مهارة يحتاج إليها إعلامي اليوم هي القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التغيير، دون أن يفقد هويته المهنية أو مصداقيته.

 بعد سنوات طويلة أمام الكاميرا، ما أكثر شيء تغير في داليا أشرف مهنيًا: طريقة الحديث، أم اختيار الأسئلة، أم التعامل مع الضيوف، أم فهم الجمهور؟

 أعتقد أن أكثر ما تغير هو طريقة فهمي للإعلام نفسه ولدور الإعلامي.

في البداية، قد يكون اهتمامك منصبًا على الأداء أمام الكاميرا، وطريقة الحديث، والحضور، وكيفية تقديم الحلقة بصورة جيدة. لكن مع الوقت اكتشفت أن كل هذه الأدوات مهمة، لكنها ليست الهدف في حد ذاتها.

أصبحت أكثر اهتمامًا بالمضمون، وبالقيمة التي أضيفها للمشاهد، وبمدى تأثير ما أقدمه في تشكيل فهمه للقضايا.

كما أصبحت أكثر وعيًا باختلاف الجمهور واحتياجاته، وأن الإعلامي لا يستطيع أن يتحدث إلى الجميع بالطريقة نفسها.

وأعتقد أن النضج المهني الحقيقي هو أن أعرف متى أتحدث، ومتى أستمع، ومتى أسأل، والأهم أن أعرف لماذا أقدم هذا المحتوى، وما القيمة التي أريد إيصالها.

لو طلبنا منكِ تقييم رحلتكِ الإعلامية من أول يوم عمل مراسلةً وحتى اليوم، ما المحطة التي تعتبرينها نقطة التحول الحقيقية في مسيرتكِ؟ ولماذا؟

أعتقد أن رحلتي لم تكن مجرد انتقال من وظيفة إلى أخرى، لكنها كانت سلسلة من التجارب التي ساهمت كل واحدة منها في تشكيل شخصيتي المهنية.

البداية مراسلةً كانت مهمة؛ لأنها وضعتني في قلب الأحداث، وعلمتني كيف أتعامل مع الواقع والناس. ثم جاءت تجربة تقديم البرامج، وكانت محطة مهمة لأنها منحتني مساحة أكبر للحوار والتواصل مع الجمهور.

أما تجربة البرنامج الصباحي «8 الصبح» على قناة DMC منذ عام 2017، فكانت من المحطات التي ساهمت في بناء حضوري الإعلامي وعلاقتي بالجمهور.

بالإضافة إلى ذلك، أضافت المرحلة الأكاديمية والدراسة عمقًا ومعرفة ومهارات مختلفة إلى تجربتي.

اليوم، أرى أن الإعلامي لا يجب أن يتوقف عند حدود الشاشة أو المنصة التي يعمل بها، بل يجب أن يطور نفسه باستمرار، وأن يكون قادرًا على التواصل مع العالم وفهم القضايا الدولية والإقليمية.

ومن هنا تأتي مرحلة جديدة في مسيرتي، وهي انضمامي مستشارةً إعلامية إقليمية للأمم المتحدة في ملف تغيّر المناخ.

من الشاشة إلى الأمم المتحدة.. الإعلام المناخي وصناعة الوعي العربي

كيف استقبلتِ خبر اختياركِ مستشارةً إعلامية إقليمية للأمم المتحدة في مجال تغيّر المناخ؟ وهل شعرتِ أن هذه اللحظة تختصر رحلة مهنية بدأت منذ أول خطوة لكِ في الإعلام؟

استقبلت الخبر بمزيج من السعادة والفخر والمسؤولية الكبيرة. بالتأكيد هو شعور استثنائي أن تصل رحلة بدأت منذ سنوات طويلة أمام الكاميرا إلى محطة جديدة داخل واحدة من أهم المنظمات الدولية في العالم.

عملي في ملف المناخ ليس صدفة، ولكنه بدأ من خلال تقديمي حلقات خاصة بهذا الموضوع. وكان وجودي في شرم الشيخ لتغطية مؤتمر COP27 فرصة للاقتراب من الملف المناخي على المستوى الدولي؛ فقد كانت محطة جعلتني أرى أن تغيّر المناخ ليس مجرد ملف تفاوضي بين الدول، وإنما قضية إنسانية تحتاج إلى إعلام قادر على أن يجعل العالم يفهمها ويتفاعل معها ويدرك أن مستقبلنا جميعًا مرتبط بها.

وكانت زيارتي هذا العام إلى مدينة بون في ألمانيا، للمشاركة في مبادرة Resilience Frontiers التابعة للأمم المتحدة، من التجارب المهمة التي ساهمت في تعميق اهتمامي بقضايا المناخ وتوسيع رؤيتي لكيفية التفكير في مستقبل أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات.

ما جذبني في هذه المبادرة هو أنها لا تركز فقط على التحديات المناخية التي نواجهها اليوم، وإنما تدعونا إلى التفكير في المستقبل الذي نريد أن نصنعه، وكيف يمكن للابتكار والمعرفة والتعاون الدولي أن تساعدنا على بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود والتكيف مع التغيرات.

جاء بعد ذلك اختياري للعمل مستشارةً إعلامية للمحتوى العربي الموجّه إلى منطقة الشرق الأوسط والشعوب العربية، وأعتبر هذه المسؤولية فرصة مهمة للمساهمة في إيصال المعرفة المناخية إلى الجمهور العربي.

منذ بداياتي في الإعلام، كنت أؤمن بأن دور الإعلامي لا يقتصر على نقل الخبر، وإنما يمتد إلى فهم ما وراءه، وتبسيطه، ووضعه في سياقه الصحيح، ومساعدة الجمهور على تكوين وعي حقيقي بما يحدث حوله.

واليوم، أشعر بأن هذه التجربة تمنحني فرصة لتوظيف كل ما تعلمته خلال سنوات عملي الإعلامي والأكاديمي في قضية تمس مستقبل الإنسانية بأكملها.

فتغيّر المناخ قضية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وتمس الإنسانية كلها، وهو ما دفع الأمم المتحدة، من خلال اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، إلى تبني رؤية تستهدف الوصول إلى شعوب العالم بمختلف لغاتهم وثقافاتهم، انطلاقًا من أهمية إتاحة المعرفة المناخية للجميع وتعزيز الوعي بأبعاد هذه القضية وتحدياتها.

وفي هذا الإطار، جاءت أهمية إطلاق محتوى باللغة العربية، وإنشاء موقع إلكتروني يتيح للشعوب العربية الوصول إلى المعلومات والبيانات والموارد المتعلقة بعملية المناخ الدولية بلغتهم الأم، بما يسهم في تعزيز الوعي والمشاركة الفاعلة في هذه القضية العالمية.

انتقلتِ من الشاشة إلى موقع دولي معني بأحد أهم ملفات العالم.. ماذا تريدين أن تضيف داليا أشرف للإعلام المناخي من خلال تجربتها كمذيعة وأكاديمية؟

أعتقد أن أهم ما أستطيع إضافته هو الجمع بين ثلاثة أبعاد: الخبرة الإعلامية، والرؤية الأكاديمية، وفهم طبيعة الجمهور واحتياجاته.

عملي كمذيعة ومراسلة علّمني كيف أصل إلى جوهر القصة، وكيف أطرح الأسئلة التي تكشف أبعادها الإنسانية، وكيف أقدم المعلومة بصورة جذابة ومفهومة.

أما تجربتي الأكاديمية، فقد منحتني اهتمامًا أكبر بالبحث والتحليل، وفهم تأثير الرسائل الإعلامية في تشكيل الاتجاهات والسلوكيات.

كما أؤمن بأهمية أن يكون للإعلام العربي حضور أقوى في المشهد المناخي الدولي، وأن ننتقل من مجرد متلقين للمعلومات إلى مشاركين في إنتاج المعرفة وصناعة النقاش العالمي.

بالنسبة لي، الإعلام المناخي ليس مجرد تخصص إعلامي جديد، بل هو مسؤولية تجاه الأجيال الحالية والقادمة.

 تغيّر المناخ قضية علمية معقدة، لكنها في النهاية تمس حياة المواطن اليومية.. كيف يمكن للإعلام أن يجعل هذه القضية مفهومة وقريبة من الناس بدلًا من أن تبقى مجرد أرقام وتقارير دولية؟

أعتقد أن التحدي الأكبر في الإعلام المناخي هو تحويل القضية من لغة الأرقام والمصطلحات العلمية إلى لغة الحياة اليومية.

عندما نتحدث عن ارتفاع درجات الحرارة، لا يجب أن نتوقف عند الرقم، بل علينا أن نشرح ماذا يعني ذلك بالنسبة للمزارع والعامل والطفل والأسرة والاقتصاد والأمن الغذائي والمائي.

وعندما نتحدث عن التكيف مع تغيّر المناخ، يجب أن نوضح كيف يمكن أن تنعكس السياسات والاستثمارات المناخية على حماية المجتمعات وتحسين جودة الحياة.

الإعلام الناجح هو الذي يجعل المواطن يرى نفسه داخل القصة، وليس مجرد متلقٍ لتقرير دولي بعيد عنه.

وهنا تأتي أهمية الصحافة الإنسانية، واستخدام القصص الحقيقية والصور والبيانات المبسطة والوسائط الرقمية، للوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور.

نحن لا نريد فقط أن يعرف الناس أن المناخ يتغير، بل نريدهم أن يفهموا كيف يؤثر ذلك في حياتهم، وما الذي يمكن فعله لمواجهة هذه التحديات.

 من واقع خبرتكِ في الإعلام المصري والدولي، هل ترين أن العالم العربي يمنح قضايا المناخ المساحة الإعلامية التي تستحقها؟ وأين تحديدًا توجد الفجوة؟

 أعتقد أن هناك تطورًا ملحوظًا في اهتمام الإعلام العربي بقضايا المناخ خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد استضافة المنطقة عددًا من مؤتمرات المناخ الكبرى، مثل COP27 في شرم الشيخ وCOP28 في الإمارات.

لكنني أرى أن هناك مساحة كبيرة لمزيد من التطوير.

الفجوة ليست فقط في حجم التغطية، وإنما في طبيعة هذه التغطية واستمراريتها وعمقها.

في أحيان كثيرة، يرتفع الاهتمام بقضايا المناخ مع انعقاد مؤتمرات الأطراف، ثم يتراجع بعد انتهائها، بينما تغيّر المناخ قضية مستمرة، وتأثيراتها لا تتوقف بانتهاء المؤتمرات.

نحتاج إلى مزيد من الصحفيين المتخصصين، وبرامج إعلامية مستدامة، ومحتوى رقمي مبسط، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والعلماء ومراكز الأبحاث.

كما أعتقد أننا بحاجة إلى تقديم قصص من المنطقة العربية نفسها؛ قصص تتعلق بالمياه والزراعة والطاقة والاقتصاد والمدن الساحلية، لأن لكل منطقة خصوصيتها وتحدياتها.

 أنتِ تجمعين بين الإعلام والأكاديميا.. كيف أثرت الجامعة في شخصيتكِ الإعلامية، وكيف انعكست سنوات العمل أمام الكاميرا على أسلوبكِ في التدريس وتدريب الأجيال الجديدة؟

داليا أشرف: أعتقد أن الإعلام والأكاديميا يكمل كل منهما الآخر.

العمل الإعلامي منحني الخبرة العملية والقدرة على التعامل مع الأحداث والضغوط وسرعة اتخاذ القرار، بينما منحتني الأكاديميا مساحة للتأمل والبحث والتحليل وفهم النظريات التي تقف وراء الممارسة الإعلامية.

وجودي داخل الجامعة جعلني أكثر اهتمامًا بسؤال: لماذا تنجح رسالة إعلامية في التأثير في الجمهور، بينما تفشل رسالة أخرى؟ وكيف تتشكل اتجاهات المشاهدين؟ وما مسؤولية الإعلامي تجاه المجتمع؟

وفي المقابل، عندما أقف أمام طلابي، لا أقدم لهم المعلومات النظرية فقط، بل أحاول أن أنقل إليهم خبرات حقيقية من داخل غرف الأخبار والاستوديوهات ومواقع التغطية.

أؤمن بأن التعليم الإعلامي لا يجب أن يقتصر على شرح كيفية التقديم أمام الكاميرا، بل يجب أن يبني شخصية إعلامية قادرة على التفكير النقدي والبحث والتحقق من المعلومات وفهم الجمهور.

وأهم ما أحرص على نقله للطلاب هو أن الكاريزما وحدها لا تصنع إعلاميًا ناجحًا؛ فالمعرفة والمصداقية والإعداد المستمر هي الأساس.

قدمتِ برامج، وعملتِ مراسلةً، ودرّستِ في جامعات، وأطلقتِ «دبلومة المذيع الصغير».. أي محطة من هذه المحطات صنعت داليا أشرف التي نراها اليوم؟ ولماذا؟

 أعتقد أن كل محطة صنعت جانبًا مختلفًا من شخصيتي.

وتُعد تجربة «المذيع الصغير» من التجارب الأقرب إلى قلبي؛ لأنها لم تكن مجرد تدريب للأطفال على الوقوف أمام الكاميرا، وإنما كانت محاولة لبناء الثقة بالنفس، وتنمية الشخصية، وتعليم الأطفال كيف يعبرون عن أفكارهم ويكتشفون قدراتهم.

لقد تعلمت من هذه التجربة أن الإعلام يمكن أن يكون أداة للتعليم والتغيير الإيجابي، وليس فقط مهنة أو وسيلة للظهور.

وقد بدأت رحلتي في التوعية بقضايا تغيّر المناخ منذ سنوات، من خلال العمل مع الأجيال الجديدة في إطار دبلومة «المذيع الصغير». وكنت أحرص دائمًا على أن تكون القضايا البيئية والمناخية جزءًا أساسيًا من الموضوعات التي أطرحها على الأطفال، وأشجعهم على البحث فيها ومناقشتها والتعبير عن آرائهم بشأنها.

فقد كنت أؤمن بأن بناء الوعي يبدأ منذ الصغر، وأن تعريف الأجيال الجديدة بتحديات تغيّر المناخ لا يقتصر على تقديم المعلومات لهم، بل يمتد إلى تنمية إحساسهم بالمسؤولية تجاه البيئة ومستقبل كوكبنا.

إذا سألتموني أي محطة صنعت داليا التي ترونها اليوم، فسأقول إنني لا أستطيع اختيار محطة واحدة؛ لأنني أؤمن بأن الإنسان هو مجموع تجاربه، وأن كل مرحلة أضافت إليّ شيئًا لم أكن أمتلكه من قبل.

في عصر الذكاء الاصطناعي وانتشار المعلومات المضللة، كيف يمكن للإعلام أن يواجه الأخبار والمحتوى المضلل المرتبط بتغيّر المناخ دون أن يفقد الجمهور ثقته؟

نحن نعيش مرحلة أصبحت فيها المعلومات متاحة للجميع، لكن الوصول إلى المعلومة الصحيحة أصبح أكثر تعقيدًا.

الذكاء الاصطناعي يقدم فرصًا كبيرة لتطوير العمل الإعلامي، سواء في تحليل البيانات أو تبسيط المعلومات أو إنتاج المحتوى والوصول إلى جماهير أوسع، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بالمصداقية والتضليل وسرعة انتشار المعلومات غير الدقيقة.

أعتقد أن المواجهة تبدأ من بناء صحافة علمية متخصصة، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، والاعتماد على مصادر علمية موثوقة، مع توضيح الفرق بين الحقائق العلمية والتوقعات والآراء.

لكن هناك نقطة مهمة جدًا: لا يكفي أن نصحح المعلومات الخاطئة، بل يجب أن نشرح للجمهور لماذا هي خاطئة، وأن نقدم له الأدلة بلغة بسيطة.

كما يجب ألا نتعامل مع الجمهور باعتباره غير قادر على الفهم، بل علينا احترام أسئلته ومخاوفه، والاعتراف عندما تكون هناك أمور غير مؤكدة علميًا.

بعد أكثر من 10 سنوات من تدريب الأطفال واليافعين على مهارات الإعلام، ما أهم شيء تعلمتِه منهم؟ وهل غيرت هذه التجربة رؤيتكِ لمستقبل الإعلام؟

تعلمت منهم الكثير، وربما أكثر مما يتخيل البعض.

الأطفال لديهم قدرة مذهلة على طرح الأسئلة والتعبير عن أفكارهم بطريقة تلقائية ومختلفة. وهم لا يتعاملون مع الأفكار بالطريقة التقليدية التي اعتدنا عليها، بل يمتلكون فضولًا ورغبة كبيرة في التجربة والاكتشاف.

خلال أكثر من عشر سنوات من العمل في تدريب الأطفال واليافعين، أدركت أن أهم ما يحتاج إليه الطفل ليس بالضرورة أن يصبح مذيعًا أو مقدم برامج، وإنما أن يمتلك الثقة في نفسه، وأن يعرف كيف يعبر عن رأيه، وكيف يستمع إلى الآخرين، وكيف يفكر بطريقة مستقلة.

هذه التجربة جعلتني أرى مستقبل الإعلام بصورة مختلفة.

جيل اليوم لا ينتظر أن تفتح له شاشة التلفزيون حتى يصبح جزءًا من المشهد الإعلامي؛ فهو يعيش داخل عالم رقمي مفتوح، ويستطيع أن ينتج المحتوى ويصل إلى آلاف، وربما ملايين الأشخاص.

لذلك، نحن بحاجة إلى إعداد جيل لا يمتلك فقط مهارات الظهور وصناعة المحتوى، وإنما يمتلك أيضًا الوعي والمسؤولية والقدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة.

وأعتقد أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الإعلام يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وخاصة الأجيال الصغيرة.

داليا أشرف: أتمنى أن أكون جزءًا من مرحلة يصبح فيها الإعلام المناخي أكثر قربًا من الناس، وأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي العام.


أريد أن أساهم في أن يكون للمنطقة العربية صوت أكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد الإعلامي المناخي العالمي، وأن تصل قصصنا وتجاربنا وتحدياتنا إلى الجمهور الدولي بصورة تعكس واقعنا وتطلعاتنا.
وعلى المستوى الشخصي، أتمنى أن أترك أثرًا يتجاوز أي منصب أو لقب مهني، وأن أكون قد ساهمت في بناء جسور بين الإعلام والمؤسسات الدولية، وبين المعرفة والجمهور، وبين الأجيال الحالية والقادمة.
أنا أؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالمواقع التي نصل إليها، وإنما بالأثر الذي نتركه في حياة الآخرين.