أعادت الكاتبة والصحفية الفرنسية فلورنس بوجي فتح ملفات مظلمة من تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، كاشفة تفاصيل مسكوتا عنها بشأن جرائم التعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري التي ارتكبها الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير.
وفي حوار خصّت به صحيفة “المساء”، على هامش فعاليات معرض الجزائر الدولي للكتاب، سلطت بوجي الضوء على جرائم التعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري التي طالت الجزائريين خلال فترة الاحتلال، معتبرة أن هذه الملفات ظلت لسنوات طويلة من المحرمات التي لم تحظ بالاهتمام الكافي، سواء في الجزائر أو فرنسا.
وكشفت الصحفية الفرنسية أن كتابها “الجزائر: حرب بلا مجد”، الذي صدر لأول مرة عام 2005، تناول جانبا من هذه الجرائم، موضحة أن إعادة نشره في فرنسا عام 2025، ثم إصدار طبعة موسعة ومحدثة منه عام 2026 عن دار “البرزخ” في الجزائر، جاءا في ظل استمرار التوتر وسوء الفهم في العلاقات بين البلدين، وبروز اهتمام متجدد بمسألة الذاكرة الاستعمارية.
ومن أبرز القضايا التي توقفت عندها بوجي، ظاهرة الاغتصاب خلال حرب التحرير، مؤكدة أنها لم تقتصر على النساء، بل شملت الرجال أيضا، بل إن هذه الممارسات كانت، بحسب ما توصلت إليه أبحاثها، أوسع نطاقا وأكثر هولا مما جرى الكشف عنه، مشيرة إلى أن الموضوع ظل محاطا بالصمت بسبب فظاعة الجرائم وثقل الصدمة المرتبطة بها.
وفي حديثها عن تبعات تلك الممارسات، اعتبرت المتحدثة أن المجتمع الجزائري لا يزال يحمل جراحا عميقة خلفها الاستعمار الفرنسي، خصوصا ما تعلق بالاختفاء القسري والاغتصاب، موضحة أن صدمة العائلات التي حُرمت من معرفة مصير أبنائها وحقها في الحداد، إلى جانب آثار الاعتداءات الجنسية، انتقلت من جيل إلى آخر.
في ذات السياق، شددت بوجي على أن الجزائريين لم يطالبوا فرنسا يوما بالاعتذار أو بما وصفته بعض الأوساط الفرنسية بـ”التوبة”، وإنما يطالبونها بمواجهة ماضيها بشجاعة والاعتراف بما حدث فعليا، منتقدة محاولات التقليل من حجم المأساة والترويج لفكرة طي الصفحة دون معالجة حقيقة ما جرى.
وقالت في هذا الصدد إنه “لا يمكن طي صفحة التاريخ قبل كتابته وقراءته بوعي”، معتبرة أن الاعتراف بالحقيقة التاريخية يمثل خطوة أساسية لفهم الذاكرة المشتركة وتجاوز الخلافات التي لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات الجزائرية الفرنسية.
كما حذرت الصحفية السابقة بصحيفة “لوموند” من المبالغة في التعويل على الأرشيف الرسمي لكشف جميع تفاصيل الجرائم الاستعمارية، موضحة أن بعض أكثر الملفات إيلاما، وفي مقدمتها الاختفاء القسري والاغتصاب، لا تترك بالضرورة آثارا واضحة في الوثائق الرسمية، ما يجعل الشهادات الشفهية واليوميات الشخصية للجنود الفرنسيين القدامى مصادر أساسية لإعادة بناء الوقائع التاريخية.
ولم يغب عن الحوار استمرار حضور الجزائر في النقاش السياسي الفرنسي، حيث ربطت بوجي ذلك بثقل الذاكرة الاستعمارية وتشابك الروابط التاريخية والإنسانية بين البلدين، مشيرة إلى أن ملايين الفرنسيين يرتبطون بالجزائر بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء من خلال أصولهم العائلية أو مشاركتهم في حرب التحرير أو تداعياتها.
ودعت إلى مواصلة تدريس تاريخ الاستعمار الفرنسي وحرب الجزائر في المدارس الفرنسية، معتبرة أن الأجيال الجديدة بحاجة إلى الاطلاع على الحقائق التاريخية بعيدا عن الإنكار أو المساواة بين جيش الاحتلال والثوار الجزائريين.
وأقرت بوجي بأن فرنسا كانت قوة احتلال واجهت ثوارا جزائريين لم يكن أمامهم، في ظل ظروف تلك المرحلة، سوى حمل السلاح لإسماع صوتهم، رافضة وضع الطرفين في كفة واحدة، ومؤكدة أن مواجهة الماضي تقتضي الاعتراف بطبيعة الاستعمار وما خلفه من مآسٍ وجرائم.
يُذكر أن فلورنس بوجي صحفية وكاتبة فرنسية متخصصة في الشؤون الدولية، عملت في صحيفة “لوموند” الفرنسية بين عامي 2000 و2015، وتولت خلالها تغطية شؤون بلدان المغرب العربي، بعد مسيرة صحفية امتدت 15 عاما في تغطية قضايا الشرق الأوسط والحرب الفلسطينية.
برز اسمها في فرنسا من خلال تحقيقاتها الصحفية بشأن جرائم التعذيب التي ارتكبها الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائرية، خصوصا بعد نشرها، في جوان 2000، شهادة المناضلة الجزائرية لويزيت إيغيلهريز، التي كشفت تفاصيل التعذيب والانتهاكات الجنسية التي تعرضت لها على أيدي عسكريين فرنسيين خلال اعتقالها عام 1957.
وأثارت تلك الشهادة نقاشا واسعا في فرنسا بشأن ممارسات الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير المجيدة، كما أعادت إلى الواجهة مسؤولية عدد من القيادات العسكرية الفرنسية عن الانتهاكات التي شهدتها تلك المرحلة، في وقت ظلت فيه ملفات التعذيب محاطة بالصمت والإنكار.
وفي عام 2005، أصدرت بوجي كتابها “الجزائر: حرب بلا مجد”، الذي وثقت فيه نتائج تحقيقاتها الصحفية وشهادات الضحايا، مسلطة الضوء على ممارسات التعذيب والاغتصاب وغيرها من الانتهاكات التي ارتُكبت خلال فترة الاستعمار، قبل أن تعيد نشره في نسخة موسعة ومحدثة عام 2025، ثم تصدر طبعة جزائرية جديدة عام 2026 عن دار “البرزخ”.
وتواصل بوجي من خلال كتاباتها ومواقفها الصحفية الدفاع عن ضرورة تناول التاريخ الاستعماري الفرنسي بعيدا عن الإنكار أو الانتقائية، معتبرة أن الاعتراف بالوقائع التاريخية والاستماع إلى شهادات الضحايا يشكلان مدخلا أساسيا لفهم جراح الماضي وتداعياته المستمرة على العلاقات بين الجزائر وفرنسا.
ولم تقتصر تحقيقات بوجي على نقل شهادات الضحايا، بل دفعت أيضا عددا من كبار العسكريين الفرنسيين السابقين إلى الخروج عن صمتهم بشأن ممارسات الجيش خلال حرب التحرير الجزائرية، وفي مقدمتهم الجنرال بول أوساريس، الذي أقر بممارسة التعذيب والمشاركة في عمليات إعدام خلال الحرب، والجنرال جاك ماسو الذي تحدث عن استخدام التعذيب، في اعترافات أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في التاريخ الاستعماري الفرنسي.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر