تشير دراسة جديدة إلى أن آبار المياه الجوفية الواقعة في المناطق الحدودية بين الدول، والتي تضخ المياه في إحدى هذه الدول، يمكن أن تؤثر في المياه المتاحة للدولة المجاورة المشتركة في خزان المياه الجوفية نفسه.
ويرى المؤلفون أن المشكلة ليست في كون الخزان الجوفي مشتركا، وإنما في المكان الذي تتركز فيه الآبار والزراعة بالنسبة إلى الحدود.
قصص مقترحة
حللت الدراسة التي نُشرت يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول في دورية "بي إن إيه إس"، جميع الخزانات الجوفية العابرة للحدود المعروفة عالميا (426 خزانا)، وجمعت معلومات من نحو 116 ألف بئر مراقبة مع خرائط للزراعة المروية ومصادر مياه الري.
وأظهرت البيانات أن هذه الخزانات تقع تحت نحو 35% من الأراضي الزراعية التي تعتمد عالميا على المياه الجوفية في الري، رغم أن التعاون الرسمي بشأنها لا يزال محدودا؛ إذ توجد ترتيبات تعاون فعالة بين نحو 11% فقط من أزواج الدول التي تتشارك خزانا، بينما تقل نسبة الحالات التي تنظمها معاهدات رسمية عن 5%.
ويقول مارك مولر، أستاذ الهندسة المدنية والأمن المائي المشارك في قسم تحليل النظم والتقييم المتكامل والنمذجة بالمعهد الفيدرالي السويسري لعلوم وتكنولوجيا المياه، والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن النظر إلى كل خزان مشترك باعتباره مشكلة دولية متشابهة قد يقود إلى سياسات غير مناسبة، لأن ضخ المياه بعيدا مئات الكيلومترات عن الحدود يمكن أن تكون له آثار محلية أساسا، بينما يصبح احتمال انتقال التأثير إلى الجانب الآخر أكبر عندما يتركز الضخ بالقرب من الحدود.
هل تستنزف الدول الخزانات المشتركة أسرع؟
حسب الدراسة، لم يجد الباحثون دليلا على أن الخزانات العابرة للحدود تُستنزف في المتوسط بمعدل أعلى من الخزانات الموجودة بالكامل داخل دولة واحدة؛ لكن عندما نظر الفريق إلى مكان حدوث الاستنزاف داخل الخزان، كان انخفاض المياه في الخزانات المشتركة أكثر وضوحا كلما اقتربت الآبار من الحدود الدولية، وانخفض متوسط الاستنزاف بوضوح بعد مسافة تتجاوز نحو 100 كيلومتر من الحدود.
يوضح مارك -في تصريحات للجزيرة نت- أن هذا لا يعني أن وجود الحدود يدفع الدول بالضرورة إلى سباق لضخ المياه قبل جيرانها؛ فالحدود الدولية كثيرا ما تتبع الأنهار والسهول الخصبة وممرات التنمية الزراعية، ولذلك قد تتجمع الزراعة والآبار بالقرب منها لأسباب جغرافية وليست سياسية.
ويضيف: "وجدنا بالفعل أن وجود الأنهار يفسر جزءا كبيرا من تركز الري عموما بالقرب من الحدود، لكن تركز الأراضي التي تعتمد تحديدا على المياه الجوفية ظل واضحا حتى بعد أخذ الأنهار في الحسبان".
ويقترح الباحثون التوقف عن التعامل مع الخزان الجوفي بأكمله كوحدة متجانسة، والتركيز بدلا من ذلك على المناطق التي يمكن أن ينتقل فيها أثر الضخ بالفعل إلى الدولة المجاورة.
في الدراسة الحالية، استخدم الباحثون نطاقا يبلغ نحو 100 كيلومتر من الحدود بوصفه مساحة يمكن أن يحدث داخلها تأثير عابر للحدود، بينما اعتبرت أول عشرة كيلومترات منطقة يرجح فيها أن يصبح هذا التأثير أكثر قوة، مع تأكيد أن المسافات الفعلية تختلف وفق طبيعة الصخور وقدرة المياه على الحركة داخل كل خزان.
نموذج عربي
تشير الدراسة إلى خزان "الساق-رم/الديسي" المشترك بين السعودية والأردن كمثال، حيث تعتمد الزراعة في الحوض على المياه الجوفية باتجاه الحدود بين البلدين.
وتوضح الدراسة أن الاتفاق بين البلدين لا يعتمد على فرض حد موحد للضخ في الخزان كله، وإنما يستخدم مناطق قرب الحدود تقيد فيها عمليات استخراج المياه، وهو نموذج لما يسميه الباحثون "الإدارة القائمة على المكان"، حيث تُفرض القيود في المواقع التي يمكن أن يؤدي الضخ فيها إلى أكبر تأثير في الطرف الآخر.
ويقول مارك إن هذا النهج يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لبعض الخزانات المشتركة من محاولة التفاوض على حصة موحدة لكل دولة، لأن مناطق واسعة داخل بعض الخزانات لا تشهد أصلا طلبا كبيرا على المياه بالقرب من الحدود.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر