ملاحظة المحرّر: هذا المقال بقلم منتجة CNN مورين أوهير. (CNN)-- يبدو مدخل ما وُصِف بأكبر بنية غامضة تحت الأرض في العالم متواضعًا جدًا. شكّل هذا الهيكل الواقع على عمق 18 متراً بأقل تقدير، تحت شوارع مدينة ليفربول الإنجليزية، ويمتد على مساحة تتجاوز 3.6 كيلومتر مربع، لغزًا يعود تاريخه إلى قرون مضت. تجمّعت مجموعتنا السياحية صباح الأحد، عند مقطورة في موقع تجري فيه أعمال حفر نشطة، حيث ارتدينا خوذات واقية وسترات صفراء عاكسة للضوء، وأصبحنا جاهزين لدخول واحدة من أكثر المعالم السياحية غرابةً في إنجلترا: شبكة متعدّدة المستويات من الأنفاق والغرف، حُفرت بتوجيه من تاجر التبغ جوزيف ويليامسون في مطلع القرن الـ19، أسفل منزله والحي المحيط به. امتلأت هذه الأنفاق بالأنقاض والمخلّفات، وظلّت طيّ النسيان لأكثر من قرن قبل إعادة اكتشافها في أوائل القرن الـ21، لتبدأ بعد ذلك عمليات حفر شاقّة. كرّس متطوعون، من بينهم مرشدنا السياحي توم ستابلدون، عقوداً في أعمال الحفر، سعياً للإجابة عن سؤال واحد، هو: لماذا بُنيت هذه الأنفاق؟ على مرّ السنين، ظهرت نظريات غريبة حول الغرض منها، بدءاً من كونها ممرات لتهريب البضائع غير المشروعة، وصولاً إلى كونها مقراً لجماعة سرية تؤمن بنهاية العالم. قال ستابلدون أثناء استعدادنا للنزول إلى الأسفل: "واجهنا صعوبات كبيرة على مدار 30 عاماً من البحث لمحاولة فهم القصة، فالأمر معقد جدًا لأنّ ويليامسون كان رجلاً شديد الكتمان. كان ما يقوم به غريبًا للغاية". منظومة مفقودة لقرون اتّجهنا نحو موقع بادينغتون، أكبر الأجزاء المكتشفة من هذه الأنفاق، من بين نحو 12 جزءًا معروفًا حتى الآن. هبطنا عبر سُلَّم إلى أول غرفة ضمن سلسلة من الغرف الواسعة. المكان جاف ومضاء جيداً، ويبدو مريحاً جدًا، أشبه بقبو أنيق لتخزين النبيذ. في نهاية الغرفة، تستقبلنا لوحات لكل من ويليامسون وزوجته إليزابيث. وُلد ويليامسون في مقاطعة يوركشاير، لكنه انتقل إلى ليفربول عندما بلغ الـ11 من عمره ليتعلّم تجارة التبغ على يد والد إليزابيث، ريتشارد تيت. تولّى ويليامسون إدارة العمل التجاري في العام 1803 بعد جمعه ثروة طائلة من خلال هذا النشاط وغيره من المشاريع. لم يُرزق هو وإليزابيث بأطفال، ولم يكن للثنائي أي ورثة. سرعان ما يتّضح أنّ إطلاق اسم "أنفاق ويليامسون" على هذه المتاهة غير منصف لهذا العالم بأكمله الموجود تحت الأرض. ومن هذه الحجرة وحدها، تتفرّع ثلاث مسارات: ممر ضيق ومظلم يذكّرك بمدافن عصور ما قبل التاريخ، ودَرَج يؤدي إلى حجرات أخرى في الأسفل، ومسار ثالث، الذي سلكناه أولاً، يقودنا إلى غرفة مليئة بقطع من الأواني الخزفية والزجاجات التي تعود للقرنين الـ19 والـ20، إلى جانب رؤوس دمى صغيرة مخيفة الشكل. عُثِر على جميع هذه المقتنيات نتيجة أعمال التنقيب التي بدأت عند إعادة اكتشاف الأنفاق خلال التسعينيات. عندما اشترى ويليامسون أرضاً في منطقة "إيدج هيل" عام 1806، كان يهدف إلى إنشاء حي راقٍ في منطقة كانت غير مطوَّرة آنذاك، وتقع على بعد حوالي 5 كيلومترات من المدينة. أوضح ستابلدون: "لقد بنى منازل على طول هذا الشارع، لكنه في الوقت ذاته كان يستخرج الحجر الرملي، إذ توجد تحت أقدامنا هنا طبقات صلبة ومتينة من الحجر الرملي الأحمر. وقد أمضى 34 عاماً وهو يشرف على عُمّاله الذين كانوا يستخرجون الحجر الرملي، بينما كان يبني المنازل في كثير من المواقع بالأعلى". لكن نُفِّذ مشروع البناء هذا، الذي استمر لعقود، في سرية تامة. فلم يتحدث ويليامسون يوماً عن خططه علناً، وليس معلوما ما إذا كان قد دعا أحداً لرؤية ما كان يجري. كما أنّه لم يترك أي سجلات مكتوبة أو خرائط قد توضِّح الغرض من هذه الأنفاق أو حتى مدى امتدادها. وبعد سنوات قليلة من وفاته، لم يبقَ من المتاهة سوى ذكرى في الذاكرة الشعبية. عاد الاهتمام بها قبل أكثر من قرن بقليل، عندما نَشَر المؤرّخ تشارلز هاند سلسلة من المقالات التي كانت الدافع وراء إجراء مسوحات رسمية في العام 1926. وفي العام 1989، تأسَّست "جمعية جوزيف ويليامسون"، التي أدّت في نهاية المطاف (في واقعة قد تثير بعض الارتباك) إلى ظهور مجموعتين منفصلتين تحافظان على هذا الموقع اليوم، هما "رابطة أصدقاء أنفاق ويليامسون" (FoWT)، و"مركز تراث أنفاق ويليامسون". قاعة الولائم تُعد قاعة الولائم، التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 8 أمتار بقليل، وتخضع لرعاية "رابطة أصدقاء أنفاق ويليامسون"، الأكثر إبهاراً من بين جميع مواقع الأنفاق التي تم تحديدها والكشف عنها. دخلنا إلى هذا المكان، الذي يشبه الكاتدرائيات، من المستوى العلوي نزولاً، لنستكشف المساحة الممتدة على طول 20 متراً في الأسفل. اكتسبت القاعة اسمها من قصة، يُرجح أنّها غير حقيقية، تروي أنّ ويليامسون دعا في إحدى المرّات ضيوفاً من الطبقة الثرية إلى منزله، لكنه قدّم لهم وجبة متواضعة من اللحم المقدّد والفاصوليا. وقيل إنّه بعدما غادر كثيرون منهم تعبيراً عن استيائهم، قام ويليامسون بدعوة الضيوف المخلصين إلى مأدبةٍ فاخرة أقيمت في هذه القاعة. رجل غريب الأطوار قال موران، وهو مرشد سياحي ومتطوعِّ في "مركز تراث أنفاق ويليامسون" أثناء إرشاده جولة داخل الأنفاق: "إنّ مصدر الكثير من القصص المبالغ فيها عن ويليامسون هو رجل يُدعى جون ستونهاوس، الذي يمكن أن نطلق عليه اليوم لقب 'مؤرِّخ شعبي'". وَوَصف موران ويليامسون بـ"رجلٍ غريب الأطوار من نواحٍ عديدة". حفر الأنفاق لرجل "غريب الأطوار" إذًا، ماذا كان يفعل ويليامسون بالضبط؟ توصّلت المنظمات المعنية بالعناية بتراث ويليامسون إلى استنتاجٍ واحد، فالتفسير الأكثر ترجيحاً لعمليات حفر الأنفاق التي لا تنتهي هو "العمل الخيري"، إذ كان يهدف إلى توفير فرص عمل شريفة ومساعدة الرجال على اكتساب مهارات في وقت كانت فيه ظروف المعيشة صعبة للغاية. وشرح ستابلدون: "وَصَل ويليامسون إلى مرحلةٍ في حياته أصبح فيها أكبر شاغل لديه إبقاء الرجال مشغولين، منهم رجال كانوا بحاجة ماسّة إلى العمل. وإلا لقضوا أوقاتهم واقفين في زوايا الشوارع، ما قد يورطهم في المشاكل، وقد ينتهي المطاف بهم في السجن، عاجزين عن إعالة عائلاتهم". وأكّد موران: "قدّم (ويليامسون) الكثير لأشخاص لم يكن لديهم خيار أفضل من حفر الأنفاق لصالح رجل محلي غريب الأطوار". وأشار ستابلدون إلى أنّ الأمر تطلّب سنوات من عمل المتطوعين لتنظيف هذه الأنفاق، لكنهم تمكنوا في النهاية من التوصل إلى سبب بنائها.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر