(CNN)-- يستغل المتشددون الإيرانيون -الذين يؤمنون بأن طهران قد خرجت بالفعل منتصرة في حربها مع الولايات المتحدة- الخسائر التي مني بها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في انتخابات التجديد النصفي، للمطالبة بأن يدفع ثمناً باهظاً مقابل إنهاء الصراع؛ وهو ثمن يتمثل في إرساء "نظام عالمي جديد" يصب في مصلحة طهران. وقد كثفت هذه المجموعة المؤثرة من المحافظين خطابها هذا الأسبوع، مطالبةً علناً بعدم تقديم أي تنازلات لواشنطن خلال المفاوضات الجارية. وعقب الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها الحزب الجمهوري بزعامة ترامب في انتخابات التجديد النصفي، حذّر المرشد الأعلى -في رسالة الأربعاء- من إبداء "أدنى ميل نحو الخضوع"؛ وهو تحذير يرى المتشددون أنه كان موجهاً للمفاوضين الإيرانيين. وفي مداخلة مع شبكة "فوكس نيوز" الأمريكية، أقر ترامب بأن الحرب مع إيران كانت سبباً جزئياً في خسائر الجمهوريين، بينما كان نائبه جي دي فانس أكثر صراحةً؛ إذ كتب في منشور مطول على منصة إكس (تويتر سابقا)، الأربعاء: "السبب في خسارتنا هو الحرب". ويبدو أن هذه الاعترافات قد منحت دفعة قوية للمتشددين الإيرانيين؛ حيث احتفى سياسيون محافظون ووسائل إعلام إيرانية بخسارة ترامب، معتبرين إياها انتصاراً لإيران. وفي هذا السياق، نشر موقع "رجاء نيوز" -وهو منبر إعلامي متشدد- مقالاً يرى فيه أنه لا ينبغي منح الولايات المتحدة "مخرجاً" قبل أن "تدفع الثمن" جراء عدوانها على إيران، مشدداً على ضرورة ألا يُسمح لترامب بـ"الإفلات عبر اتفاق متسرع". وكتب كاتب المقال، الأربعاء: "لا ينبغي تبديد إنجازات الشعب الإيراني والمكاسب التي تحققت من خلال توفير مخرج للطرف الآخر. إن السبيل الوحيد لتجنب شبح الحرب يكمن في تعزيز القوة، وزيادة الضغط على الولايات المتحدة -بما في ذلك الضغط عبر أسعار الطاقة- وجعل العدو يندم على أفعاله". مخاطر التصعيد بعد مرور 8 أشهر على بدء الصراع، وصلت الحرب إلى طريق مسدود، مع تراجع العمليات العسكرية وغياب أي تقدم دبلوماسي ملموس. وفي الأسابيع القليلة الماضية، تنقل المفاوضون الإيرانيون بين طهران والدوحة، في الوقت الذي يسعى فيه الوسطاء القطريون إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين، أملاً في التوصل إلى اتفاق يمهد الطريق لمفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني وينهي الحرب. وفي تصريح لشبكة CNN، قال الخبير البارز في الشؤون الإيرانية لدى "مجموعة الأزمات الدولية"، حميد رضا عزيزي: "ترى القيادة الإيرانية في نتائج الانتخابات الأخيرة تأكيداً لصحة استراتيجيتها المتبعة ضد الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يزداد موقف طهران تشدداً فيما يتعلق بشروط التوصل إلى اتفاق مع واشنطن". وأضاف عزيزي أن إعلان ترامب "إنجاز المهمة" وإنهاء الحرب مع إيران يبدو أمراً غير واقعي، ما لم يحصل الرئيس الأمريكي على تنازلات من طهران بشأن برنامجها النووي، وهو ما قد يساعده في احتواء أي رد فعل سلبي داخلي. أما الخيار الآخر المتاح أمامه، فهو شن عملية عسكرية واسعة النطاق، ليتمكن من الادعاء بأنه أنهى الحرب من موقع قوة. وأوضح عزيزي قائلاً: "المشكلة تكمن في أن الإيرانيين، في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة، لا يرون أي مبرر لتقديم تنازلات نووية لترامب. كما يُتوقع أن يتمسكوا -بإصرار أكبر من ذي قبل- بمطلبهم بأن تتخذ الولايات المتحدة الخطوة الأولى قبل إمكانية إبرام أي اتفاق". وفي سياق متصل، صرح مسؤول إقليمي لشبكة CNNالخميس بأن خطر تجدد الحرب مع إيران قد تراجع عقب هزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، إلا أن احتمالية التصعيد لا تزال قائمة. وكان ترامب قد صرح في أكتوبر/ تشرين الأول بأن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، لكنه لم يستبعد أو يؤكد ما إذا كانت الضربات ستُستأنف بعدها؛ وهو ما أبقى سكان الشرق الأوسط في حالة من القلق والترقب، لا سيما مع تهديد إيران بتوسيع نطاق ضرباتها رداً على أي تصعيد. وقال ترامب للصحفيين، الخميس: "نحن الآن بصدد اتخاذ قرار: هل نريد المضي قدماً؟ أفضل ألا أدمر بقية البلاد إن أمكن، لكن ربما سأضطر إلى ذلك. ستعرفون الإجابة قريباً جداً". وقد شهد الشرق الأوسط تكثيفاً في التحركات الدبلوماسية منذ إجراء انتخابات التجديد النصفي يوم الثلاثاء، إذ ذكرت قطر، الجمعة، أن الرئيس ترامب أجرى اتصالاً بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لمناقشة خفض التصعيد؛ وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد أجرى قبل ذلك بيوم محادثات مع نظرائه من كل من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، وباكستان، والكويت، والأردن، وتركيا، وقبرص، وقطر. كيف ستنتهي الحرب؟ رغم أن المتشددين في إيران يرحبون علنًا بمزيد من الصراع، يرى خبراء أن القيادة الإيرانية تسعى للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة ينهي الحرب، ويسمح في الوقت ذاته لطهران باكتساب نفوذ إقليمي جديد. وفي تصريح لشبكة CNN، قال الباحث غير المقيم في "مركز السياسة الدولية"، سينا توسي: "يعني ذلك الخروج بقدرات ردع أقوى، ونفوذ دائم، ونظام إقليمي لا تستطيع فيه واشنطن وإسرائيل إبقاء إيران معزولة أو تحت ضغط مستمر أو عرضة للهجوم دون تكبد تكاليف قد تكون باهظة للغاية". وقد طالبت إيران واشنطن بتلبية سبعة شروط قبل أن تقوم طهران بفتح مضيق هرمز؛ تشمل إنهاء الحرب "على جميع الجبهات"، وتقديم تعويضات، وسحب القوات الأمريكية، ورفع العقوبات. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بهذه المطالب. وقد أسفرت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وكبار قادته، وعلماء نوويين، ومئات المدنيين، إلى جانب تدمير مواقع عسكرية حيوية. كما تسبب الصراع في خسائر اقتصادية فادحة للجمهورية الإسلامية، وأخرج عقوداً من "حرب الظل" إلى العلن. ومع وصول الصراع إلى طريق مسدود، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على إيران وأعادت فرض العقوبات، مما زاد من تدهور الاقتصاد وضاعف الضغوط على المواطنين الإيرانيين العاديين. ويضيف توسي: "لقد عانى الاقتصاد والبنية التحتية في إيران بشكل هائل، كما أن استمرار المواجهة ينطوي على مخاطر جسيمة. لكن هذا هو بالضبط السبب الذي يجعل القادة الإيرانيين يترددون في التخلي عما تبقى لديهم من أوراق ضغط، دون الحصول على مكاسب دائمة في المقابل". وعلى الصعيد الداخلي، أدت الحرب إلى تعميق الانقسامات بين المتشددين -الذين يسعون لمواصلة الصراع مع الولايات المتحدة- والمعتدلين الذين يؤمنون بأن الدبلوماسية والانفتاح على العالم قد يخففان الضغوط الاقتصادية عن إيران. رغم الخلافات الداخلية، ظلت القيادة الإيرانية متحدة نسبياً في نهجها تجاه الولايات المتحدة، حيث ركزت على تكتيكات قصيرة المدى تهدف إلى رفع تكلفة الصراع على المستوى العالمي؛ وذلك من خلال استهداف منشآت نفطية إقليمية وتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر حيوي كان يمر عبره نحو خُمس الإنتاج النفطي اليومي العالمي قبل اندلاع الحرب. ومع ذلك، فإن إيران تسعى لتحقيق مكاسب أكبر من خلال استراتيجيتها طويلة المدى، إذ تطمح للخروج من هذه الحرب بنفوذ أكبر وقوة إقليمية تفوق ما كانت عليه من قبل. وقال توسي: "تريد طهران من جيرانها أن يدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يعتمد حصراً على القوة العسكرية الأمريكية، وأن أي ترتيب إقليمي مستدام يجب أن يأخذ المصالح الإيرانية بعين الاعتبار"، مضيفا: "إنها تسعى إلى تسوية تُغيّر التوازن الاستراتيجي لصالحها، وتُقيّد في الوقت ذاته قدرة واشنطن على عزل إيران أو ممارسة الضغوط عليها أو مهاجمتها وقتما تشاء". وفي رسالته، أشار مجتبى خامنئي إلى أن الحرب قد دشنت "فجراً مشرقاً مليئاً بالأمل"، وأنها تضع "الأساس لنظام عالمي جديد"؛ وهو ما يكشف عن طبيعة المكسب الذي تأمل إيران في تحقيقه في نهاية المطاف من هذا الصراع. غير أن هذا الطموح الكبير يصطدم الآن برئيس أمريكي قد يكون عازماً على إثبات حضوره على الساحة الدولية، في وقت يواجه فيه قيوداً متزايدة في الداخل عقب هزيمته الانتخابية.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر