تضع التحولات السياسية في الولايات المتحدة النظام الدولي أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ، في ظل تزامن أزمات كبرى تمتد من الحرب في أوكرانيا إلى المواجهة مع إيران والتوتر حول تايوان، وتكتسب نتائج الانتخابات الأمريكية أهمية تتجاوز الداخل، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على حسابات القوى الدولية وتحالفاتها.

وتتجه ملامح النظام العالمي، وفق تقدير الخبير العسكري والإستراتيجي العميد إلياس حنا، نحو واقع ثلاثي الأقطاب تقوده الولايات المتحدة وروسيا والصين، وإن لم يُعلن رسميا عن قيام هذا التوازن. ويستند هذا التصور إلى امتلاك واشنطن أدوات نفوذ واسعة تجعل تحركاتها مؤثرة في اتجاهات النظام الدولي.

أخبار مقترحة

  • بابا الفاتيكان في مواجهة مفتوحة مع "اليمين الشعبوي" في أمريكا اللاتينية
  • لهذه الأسباب يهدم فلسطينيو القدس بيوتهم بأنفسهم

ويوضح حنا -خلال الفقرة الجيوسياسية على شاشة الجزيرة- أن عناصر القوة الأمريكية تقوم على 4 أبعاد رئيسية، هي السياسي والعسكري والاقتصادي والمعلوماتي، مشيرا إلى امتلاك واشنطن حق النقض في مجلس الأمن الدولي، واستحواذها على نحو ربع الاقتصاد العالمي، فضلا عن انتشار قواعدها العسكرية وقياداتها في مناطق مختلفة من العالم.

ويضاف إلى ذلك التفوق التكنولوجي الأمريكي، ممثلا في وجود أبرز شركات التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يمنح واشنطن أدوات تأثير تتجاوز القوة العسكرية والاقتصادية التقليدية، وفي هذا الإطار، تعثرت فكرة اجتماع ثلاثي في بكين يضم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والصيني شي جين بينغ، والروسي فلاديمير بوتين، أطلق عليها وصف "يالطا الجديدة".

ويرجح حنا أن تؤثر الانتخابات الأمريكية في فرص عقد هذا الاجتماع، لكنها لا تعطل بالضرورة قدرة ترمب على إدارة الملفات الخارجية، فالرئيس الأمريكي، رغم خسارة حزبه السيطرة على الكونغرس، يظل قادرا على مواصلة التحرك في السياسة الخارجية، بما في ذلك الخيارات العسكرية، مع بقاء إعلان الحرب من صلاحيات الكونغرس.

معادلات الصراع

وتتجلى ملامح التنافس الدولي في 3 ملفات رئيسية؛ الصين وتايوان، وروسيا وأوكرانيا، والولايات المتحدة وإيران، ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي أن هذه المواجهات تكشف تحولا في طريقة إدارة النظام العالمي، إذ تتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وتتجاوز حدود الصراعات الإقليمية.

وفيما يتعلق بتايوان، يشير حنا إلى أن الصين تنظر إلى الجزيرة في إطار مبدأ "دولة واحدة بنظامين مختلفين"، بينما لا ترغب واشنطن في ضمها بالقوة العسكرية، وتحتفظ الولايات المتحدة بحضور غير مباشر في الجزيرة، التي تكتسب أهمية إستراتيجية بالغة لارتباطها بصناعة الشرائح الإلكترونية المتقدمة.

أما روسيا، فما تزال تخوض حربا طويلة في أوكرانيا من دون أن تتمكن من وضع حد لها، بالتزامن مع مواجهتها حلف شمال الأطلسي (ناتو) في سياق ما وصفه حنا بالحرب الهجينة. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة حضورها في هذه المواجهة عبر الناتو، إلى جانب انخراطها في أزمات الشرق الأوسط ومحيط الصين.

ويضع هذا التشابك العالم أمام مرحلة جديدة قد تتحدد خلالها ملامح النظام الدولي المقبل، في وقت تحاول فيه كل قوة إدارة ملفاتها الإقليمية مع مراقبة تحركات منافسيها. ويكتسب الداخل الأمريكي أهمية إضافية في هذا السياق، مع تسلم الكونغرس الجديد مهامه في 3 يناير/كانون الثاني المقبل.

ويستحضر حنا تجربة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش عام 2007، حين واجه معارضة الكونغرس، لكنه تمكن من إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى العراق ضمن إستراتيجية "الزيادة" الرامية إلى إعادة ترتيب الوضع الأمني. ويرى أن القيود الداخلية على ترمب لا تمنعه من إدارة الملفات الخارجية أو اتخاذ قرارات عسكرية.

خرائط النفوذ

وفي الداخل، قد يواجه ترمب رقابة وتحقيقات وإجراءات عزل يقودها مجلس النواب، على أن يتولى مجلس الشيوخ محاكمته، لكن ذلك لا يلغي قدرته على التحرك خارجيا. ويطرح حنا احتمال أن يسعى الرئيس الأمريكي إلى تعويض خسارته السياسية بتحقيق إنجاز في أحد الملفات الخارجية، وفي مقدمتها إيران وأوكرانيا.

ويربط المتحدث توجهات ترمب برؤية جيوسياسية تقوم على توزيع مناطق النفوذ؛ إذ ينظر إلى أوكرانيا باعتبارها ضمن المجال الروسي، ويرى للصين مجالا خاصا بها، مقابل تركيز النفوذ الأمريكي في النصف الغربي من الكرة الأرضية. وتبرز فنزويلا وغرينلاند وكندا والمكسيك ضمن الملفات المرتبطة بهذه الرؤية.

وفي الشرق الأوسط، أدى تعثر حسم المواجهة مع إيران، بحسب العميد إلياس حنا، إلى دفع دول المنطقة للبحث عن ترتيبات أمنية تحمي مصالحها، بعدما راهن ترمب على إستراتيجية "التوازن عن بعد"، التي تقوم على تحمل الحلفاء أعباء أمنهم مع توفير واشنطن المظلة اللازمة. ومن نتائج ذلك اتفاق مكة بين تركيا والسعودية وباكستان، وانضمام مصر إلى جهود الدفاع عن السعودية بموافقة مجلس النواب.

ويقدر الخبير العسكري والإستراتيجي أهمية هذا الترتيب بالنظر إلى ما يجمع أطرافه من إمكانات بشرية وعسكرية واقتصادية؛ إذ يقترب مجموع سكانها من نصف مليار نسمة، وتمتلك نحو ألف طائرة مقاتلة، إلى جانب الصناعة العسكرية التركية المتقدمة والقدرات النووية الباكستانية، فضلا عن الثقل النفطي والاقتصادي السعودي. وفي المقابل، تظل إسرائيل أمام تحديات هذه المعادلة، رغم استمرار التحالف الإستراتيجي مع واشنطن.

ويشير حنا إلى قرار ترمب وقف المساعدات العسكرية المالية لإسرائيل، البالغة 3.8 مليارات دولار، معتبرا أن التحولات الانتخابية الأمريكية كشفت تراجعا في المكانة التي كانت تحظى بها إسرائيل داخل المشهد السياسي الأمريكي، من دون أن يعني ذلك انتهاء التحالف بين الطرفين.

ويرى أن نشوء منظومة أمنية إقليمية جديدة يثير قلق نتنياهو ومشروع الهيمنة الإسرائيلية، ولا سيما أن إسرائيل تعتمد تاريخيا على دعم قوة عظمى لتعويض محدودية إمكاناتها الجغرافية والديمغرافية. وتسعى اليوم إلى توسيع نطاق سيطرتها عبر الضفة الغربية، وإقامة مناطق عازلة في لبنان وسوريا، مع التعويل على تفوقها الجوي وقدرتها على استهداف مواقع في أنحاء المنطقة.