من الخبز على المائدة المصرية إلى الكهرباء التي ستنتجها محطة الضبعة النووية، مروراً بفنادق البحر الأحمر، تتوزع العلاقات الاقتصادية المصرية الروسية على قطاعات تمس احتياجات الدولة وحياة الناس. ولهذا، تتجاوز زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى موسكو التنسيق السياسي إلى متابعة تجارة قائمة ومشاريع بعيدة الأجل.
ووصل السيسي إلى العاصمة الروسية أمس الأربعاء، في 28 تشرين الأول/أكتوبر للمشاركة في القمة الروسية–الأفريقية الثالثة، التي انعقدت يومي أمس الأربعاء واليوم الخميس، في 28 و29 منه، والتقى الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين. وبحسب الرئاسة المصرية، تناول اللقاء تطورات الضبعة والمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية التابعة لقناة السويس، إلى جانب التجارة والسياحة والصحة والتعليم والبحث العلمي.
واليوم الخميس، التقى السيسي المدير العام لشركة "روساتوم" الروسية أليكسي ليخاتشوف لمراجعة الموقف التنفيذي للضبعة، مؤكداً أهمية الالتزام بالجداول الزمنية المحددة. ويعكس اللقاء ثقل المشروع في العلاقة.
التجارة المصرية الروسية... واردات أساسية وفرص للصادرات
بلغ التبادل التجاري السلعي بين مصر وروسيا نحو 6.3 مليارات دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وفق بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نقلته وسائل إعلام مصرية اليوم الخميس.
وسجلت الصادرات المصرية إلى السوق الروسية 627.4 مليون دولار، بزيادة سنوية بلغت 6.8%، فيما بلغت الواردات المصرية من روسيا نحو 5.7 مليارات دولار.
ويميل الميزان التجاري بذلك إلى الجانب الروسي، لكن جزءاً مهماً من الواردات يرتبط باحتياجات الغذاء والطاقة والإنتاج. لقد شملت الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها بقيمة 1.7 مليار دولار، والحبوب بقيمة 1.5 مليار، والحديد والصلب ومصنوعاته بقيمة 1.1 مليار.
وفي الاتجاه المقابل، تصدرت الخضروات والفواكه الصادرات المصرية إلى روسيا بقيمة 444.6 مليون دولار، تلتها سلع منها الوقود والمنتجات الكيماوية والغذائية.
وتكشف هذه التركيبة مجالاً لتوسيع الصادرات المصرية وتنويعها، بدلاً من الاكتفاء بزيادة إجمالي التجارة، فالمكسب الأكبر للقاهرة يتمثل في وصول مزيد من المنتجات إلى السوق الروسية، وتوسيع قاعدة الشركات المصدرة، وتحسين انتظام الشحن والتحصيل.
القمح الروسي... علاقة تمس الخبز وفاتورة الاستيراد
يحتل القمح موقعاً مركزياً في المصالح المشتركة. بحسب مركز "أغروإكسبورت" الاتحادي الروسي، وفق ما نقلته وكالة "تاس"، بلغت الشحنات الروسية إلى مصر عشرة ملايين طن خلال الموسم الزراعي الممتد من تموز/يوليو 2025 إلى حزيران/يونيو 2026، بزيادة 6% عن الموسم السابق.
هذا الرقم تنبع أهميته من ارتباط القمح باحتياجات الاستهلاك ومنظومة الخبز، ما يجعل استقرار الإمدادات وشروط الشراء مسألة تتصل بالميزانية والطلب على النقد الأجنبي.
ولا تُقَاس فائدة التعاون بالكميات وحدها؛ يحدد السعر وتكاليف الشحن والتأمين ومواعيد التسليم وشروط الدفع الفاتورة النهائية. وقد تمنح ترتيبات الشراء والتخزين الأكثر انتظاماً مساحة أفضل لإدارة المخزون، لكنها لا تلغي تقلبات الأسواق أو الحاجة إلى تنويع الموردين.
وبالتوازي، تعمل مصر لزيادة مشترياتها من الإنتاج المحلي. ويمنح ذلك القاهرة مرونة إضافية في إدارة الاستيراد، من دون أن يعني الاستغناء عنه.
محطة الضبعة... تنويع الكهرباء وتمويل بعيد الأجل
تمثل الضبعة أحد أبرز المشاريع المشتركة، بقدرة إجمالية مخططة تبلغ 4,800 ميغاواط موزعة على أربع وحدات. والمحطة لا تزال قيد الإنشاء.
ومن أحدث خطوات التنفيذ، أعلنت هيئة المحطات النووية المصرية بدء تركيب أول مولد بخار بالوحدة الأولى في 6 تشرين الأول، من ضمن أعمال تركيب المعدات الرئيسية.
وتشمل الشراكة في المشروع الإنشاء والتوريدات والتدريب والخدمات المرتبطة بالتشغيل. وبحسب الاتفاق التمويلي المنشور، توفر روسيا قرض تصدير يصل إلى 25 مليار دولار، لتغطية 85% من قيمة الأعمال والخدمات والتوريدات المشمولة بالعقود، بفائدة سنوية 3%، وتسديد على 22 عاماً.
المنطقة الصناعية الروسية... الاختبار في تشغيل المصانع
تحمل المنطقة الصناعية الروسية القائمة في منطقة قناة السويس طموحاً لتوسيع العلاقة من تبادل السلع إلى تصنيعها داخل مصر.
أعلنت وزارة الخارجية المصرية في 15 تموز اختيار المطور الصناعي للمنطقة، بوصفه خطوة نحو جذب الاستثمارات وبدء التشغيل لاحقاً. وعاد المشروع إلى مباحثات الرئيسين في موسكو، بما يؤكد استمراره من ضمن أجندة التعاون.
ويتيح الموقع قرب قناة السويس فرصاً لوجستية، فيما توفر اتفاقات مصر التجارية إمكانات للوصول إلى أسواق متعددة. غير أن الاستفادة من المعاملة التفضيلية تتوقف على قواعد المنشأ وشروط كل اتفاق، فلا يكفي وجود مصنع داخل المنطقة للحصول عليها تلقائياً.
تخزين الطاقة... مجال جديد للتعاون الصناعي
وفي مجال يتجاوز المحطة النووية، أعلنت "روساتوم" في 12 تشرين الأول اتفاقاً مع شركة "تيليتك" المصرية لإنشاء قدرات محلية لتجميع أنظمة تخزين الطاقة، وتدريب العاملين، والتوسع التدريجي في الإنتاج.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية المحتملة للمرافق المخطط لها 500 ميغاواط ساعة سنوياً. وتتصل أهمية هذا المجال باستقرار الشبكات ودمج الطاقة المتجددة. أما أثره الصناعي، فيعتمد على بدء التنفيذ، وحجم المكونات والخدمات المحلية، والطلب على الأنظمة المنتجة.
السياحة الروسية... إيرادات لا تظهر في ميزان السلع
قال بوتين خلال لقائه السيسي إن أكثر من 1.2 مليون سائح روسي زاروا مصر في النصف الأول من عام 2026، ما يبرز استمرار أهمية السوق الروسية للقطاع السياحي.
وتدعم هذه الحركة الفنادق والطيران والمطاعم والنقل والأنشطة المرتبطة بالوجهات السياحية. ولهذا، لا تختصر أرقام تجارة السلع مجمل العلاقة الاقتصادية؛ فالسياحة تدخل من ضمن الخدمات ومصادر الإيرادات الخارجية.
لكن عدد الزوار لا يكفي لتقدير العائد المالي، الذي يتأثر بمدة الإقامة والإنفاق والأسعار وطبيعة الرحلات.
وتضع زيارة موسكو هذه المصالح المتعددة أمام اختبار التنفيذ. يرتبط المكسب المصري بتأمين الإمدادات، وتوسيع الصادرات، وجذب الزوار، وتحويل المشاريع إلى إنتاج ووظائف. أما بالنسبة إلى روسيا، فتتيح العلاقة سوقاً للسلع والتكنولوجيا والخدمات وشراكات تمتد لسنوات.
وبين المصالح القائمة والطموحات الجديدة، ستُقَاس النتائج بمصنع يبدأ العمل، ووحدة كهرباء تدخل الخدمة، وصادرات تتسع، وإمدادات تصل بانتظام وتكلفة قابلة للتحمل.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر