مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المقررة بعد غد، تتزايد المخاوف من تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على نزاهة العملية الانتخابية، في ظل اعتماد ملايين الناخبين على روبوتات الدردشة للحصول على معلومات بشأن المرشحين وإجراءات التصويت، وسط تحذيرات من مساهمة هذه التقنيات في نشر معلومات مغلوطة وتضليل الرأي العام.
وكشفت دراسات حديثة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى مصدر للمعلومات المضللة، بعدما رصدت أخطاء متكررة في إجاباتها، شملت الخلط بين المرشحين ونسب تصريحات واتهامات غير صحيحة إلى شخصيات سياسية ومسؤولين ومراقبين انتخابيين.
ووفق دراسة أجرتها شركة «فوروم إيه آي» الناشئة والمتخصصة في تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن نحو 40% من إجابات روبوتات الدردشة عن الأسئلة المتعلقة بالانتخابات تضمنت خطأ واحدا على الأقل.
وأظهرت الدراسة، التي اختبرت 8 نماذج للذكاء الاصطناعي، أن الأخطاء لم تقتصر على المعلومات المتعلقة بالسيرة الذاتية للمرشحين، بل امتدت بصورة أكبر إلى الإجراءات العملية للتصويت.
وفي أحد الأمثلة، قدم روبوت الدردشة «كلود»، التابع لشركة «أنثروبيك»، معلومات غير دقيقة عن النائب الأمريكي دون ديفيس، بعدما نسب إليه منصبا سابقا في إدارة منطقة تعليمية، نتيجة الخلط بينه وبين شخص آخر.
كما قدم نموذج «جيميناي 3.6 فلاش» التابع لشركة جوجل معلومات خاطئة بشأن التصويت في ولاية بنسلفانيا، إذ حدد الثالث من نوفمبر موعدا نهائيا لطلب بطاقة الاقتراع عبر البريد، رغم أن الموعد الفعلي يسبق ذلك بأسبوع.
اتهامات مفبركة وحملات تضليل
في سياق متصل، حذرت «فوروم إيه آي» من أن روبوتات الدردشة نسبت مئات التصريحات إلى مرشحين ومسؤولين ومراقبين لم تصدر عنهم، مستندة في بعض الأحيان إلى مصادر إلكترونية ضعيفة المصداقية، من بينها نقاشات منشورة على منصة «ريديت».
وتزايدت المخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير الأجنبية، بعدما كشف صحفيو التحقق من المعلومات في وكالة الصحافة الفرنسية «فرانس برس»، أواخر أكتوبر الماضي، عن مقطع فيديو يُرجح التلاعب به باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وزعم المقطع أن طالبا سابقا للمرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، جيمس تالاريكو، يتهمه بسوء سلوك جنسي، وهي مزاعم لا تستند إلى أساس من الصحة، وتحمل مؤشرات على ارتباطها بحملة تضليل روسية.
ولم تتوقف تداعيات الواقعة عند تداول الفيديو، إذ أعادت أدوات ذكاء اصطناعي تابعة لجوجل ومايكروسوفت تقديم الاتهام نفسه عند سؤالها عنه، بما في ذلك خدمة «AI Overview» ومحرك «جيميناي» وروبوت «كوبايلوت».
وأشارت دراسة منفصلة أجرتها مؤسسة «نيوزغارد»، وشملت 10 أدوات للذكاء الاصطناعي، إلى أن مستخدمي روبوتات الدردشة قد يصبحون عرضة للتضليل من جانب عمليات التأثير الأجنبية والجهات الخبيثة التي تسعى إلى توجيه الرأي العام.
لكن اختبارات لاحقة أجرتها وكالة فرانس برس أظهرت أن أداء هذه الأدوات قد يتغير مع تحديث المعلومات المتاحة، إذ بدأت بعض النماذج في الاستناد إلى تقارير مدققي الحقائق وتحديد زيف الاتهامات المتداولة.
من جانبها، أكدت جوجل أنها تعمل على مساعدة الناخبين في الوصول إلى معلومات موثوقة، مشيرة إلى تطبيق ضوابط للجودة والسياسات على منتجاتها المتعلقة بالموضوعات الانتخابية.
كما أوضحت مايكروسوفت أن المعلومات الموثوقة كانت محدودة عند إجراء الاختبارات الأولى، مؤكدة أن «كوبايلوت» عكس المعطيات المحدثة لاحقا وحدد أن الادعاء المتعلق بالمرشح الأمريكي مفبرك.
الذكاء الاصطناعي.. سلاح ذو حدين
ورغم المخاوف المتزايدة، لا تقتصر تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الجانب السلبي، إذ تشير استطلاعات وأبحاث إلى إمكانية توظيف هذه الأدوات في مساعدة الناخبين على الوصول إلى المعلومات الانتخابية ومواجهة نظريات المؤامرة.
وأظهر استطلاع أجراه «المؤتمر الوطني للمواطنة»، وهو منظمة غير حزبية، أن اثنين من كل خمسة أمريكيين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي للبحث عن معلومات انتخابية، سواء بشأن المرشحين أو المقترحات المطروحة للتصويت.
لكن مستوى الثقة في هذه الأدوات لا يزال محدودا، إذ أعرب 40% فقط من المشاركين عن ثقتهم بها للحصول على معلومات إجرائية تتعلق بمواعيد التصويت وأماكنه وكيفيته، بينما قال 60% إن ثقتهم في حيادها تجاه المرشحين محدودة أو منعدمة.
وفي المقابل، أظهرت دراسة أجراها «مركز برينان للعدالة» أن روبوتات الدردشة الرائدة نجحت في التصدي لعدد من نظريات المؤامرة المرتبطة بالانتخابات، بما في ذلك الادعاءات المتعلقة بالتلاعب بآلات التصويت.
ورأى المركز أن هذه الأدوات، رغم الأخطاء التي تقع فيها، يمكن أن تؤدي دورا إيجابيا في مواجهة التضليل الانتخابي، من خلال التعامل مع شكوك المستخدمين ورفض تأييد الادعاءات غير المدعومة بأدلة.
وبذلك، تضع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أدوات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار جديد، بين قدرتها على تسهيل وصول الناخبين إلى المعلومات، ومخاطر تحولها إلى وسيلة لنشر الشائعات وترويج الاتهامات المفبركة والتأثير على اختيارات الناخبين.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر