إرهابيون يدخلون الكنائس وأماكن العبادة المسيحية ويقتلون المصلّين، هذا حدث قبل واقعة الكرك. إنه حدث في الموصل وبغداد وحلب ودمشق وشمال سوريا وفي مصر. وقبلها حدث في الجزائر في ربيع 1996 عند اقتحام دير "سيدة الأطلس" وخطف سبعة رهبان فرنسيين على يد "الجماعة الإسلامية المسلحة" وقتلهم.

فُجِع الأردن بهذه الجريمة التي كانت غريبة عن المجتمع الأردني المعروف في آن واحد بحسن انفتاحه وتعامل مكونات مجتمعه، وبصلابة نظام حكمه الذي دعمه في شكلٍ خاص الملك الراحل الحسين، والد الملك الحالي عبدالله الثاني.

 

أما في لبنان فقد يكون حدث مثله، في أنواع المحن التي عرفها خلال تاريخه الحديث أو القديم. ولكن ليس هذا هو الأهم بالنسبة إلى لبنان. الأهم هو ما يتميز به عن سائر دول المشرق وحتى دول الغرب، في أنه بلد الآخر، بفضل تكوينه البشري الذي لا مثيل له في الشرق ولا في الغرب. نقول الغرب لكونه يجتاز حالياً مرحلةً دقيقة في معظم بلدانه الأوروبية، بخاصةٍ مع صعود اليمين المتطرف في ألمانيا وفرنسا حيث حظوظ المرشحة مارين لوبان اليمينية المتطرفة في الرئاسة المقبلة مرتفعة أمام جميع الآخرين، لأن برنامجها الأساسي يقوم، من بين نقاط كثيرة، على تعديل الدستور، بحيث يحق إجراء استفتاء حول المهاجرين الذين بات وجودهم وتدفقهم قضية أولى في فرنسا، وبخاصة لأن جارتها إيطاليا اختارت اليمين المتطرف بشخص جورجيا ميلوني، وارثة موسوليني التي لا تزال على رأس الحكومة الإيطالية منذ أربع سنوات، وهي سابقة في إيطاليا من حيث عمر الحكومات.

 

وقبل أيام، سجّل في مدينة Trappes الفرنسية الواقعة في محيط مقاطعة فرساي، هجومٌ على أشخاصٍ وأماكن من المهاجرين اضطر معه الرئيس ماكرون إلى الحضور، وظهوره برفقة رئيس بلديتها علي رابح، وسط شعاراتٍ من نوع "تراب أصبحت كابول". والواقع أن عدد سكان هذه المدينة البالغ أربعة وثلاثين ألف نسمة يتضمن نحو عشرة آلاف مهاجر من جنسيات وأديان أخرى. وهي مدينة تضم كنيسة واحدة كبيرة وأخرى صغيرة بالإضافة إلى خمسة مساجد.

 

ولكن أن يحصل ذلك في الأردن، فهو سابقة في هذا البلد الذي يقع بين إسرائيل وفلسطين من النواحي الجغرافية والبشرية، وتراه يسير منذ نشوئه بين عشرينيات القرن الماضي وأربعينياته - في تواريخ تشبه ظروف نشوء الكيان اللبناني - على حذرٍ مدروس لكونه اجتاز كل الحروب الإقليمية بما فيها سلخ الضفة الغربية عنه عام 1967، مكتفياً بحدوده القديمة.

 

على حذرٍ عاش هذا البلد العربي الذي كان من مؤسسي الجامعة العربية في آذار 1945 بشخص "صاحب السمو الملكي أمير شرق الأردن" مؤسـس الكيان الحديث عبدالله الأول بن الحسين، وارث العائلة الهاشمية. والمجال هنا لا يتّسع لسرد ظروف نشوء الأردن ككيانٍ خاص في النصف الأول من القرن الماضي، وتجاوزه مختلف المحن الداخلية وظروف انتقال كامل الثورة الفلسطينية منه إلى لبنان في ما عُرف يومذاك بأحداث أيلول الأسود عام 1970.

 

هنا يفرض التساؤل نفسه: الأردن أعلن أنه سيحتفل بمرور ألفي سنة على عمادة السيد المسيح حين تحلّ الذكرى في أيار 2030، وهذا ليس بالقليل. سيكون حدثاً عالمياً، فالمسيح تعمّد في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان حسبما ورد في الفصل الأول من إنجيل يوحنا.

 

فهل لهذا الحدث المعلن علاقة بإقدام إرهابيين على ارتكاب جريمتهم في الكرك؟ الجواب قد لا يأتينا حالياً، ولكن يجدر القول إن الأردن يختزن إرثاً مسيحياً كبيراً، أقلّه ذلك النهر الذي تحوّل في الزمان ليصبح اسم المملكة الهاشمية.

 

هنا يحضر لبنان بالنسبة إلى من يهوى المقارنات. الأردن عاش على التسامح الديني - وهو تعبيرٌ يصادف عيش الأقليات مع الأكثريات في المنطقة وخارجها - إذ إن أكثريته مسلمة سنية، وهذا فضله وفضل نظامه وحكامه. ولكن للبنان تجربة أخرى آتية من عمق الأجيال، وسبقت بعقودٍ نشوء الكيان الحديث عام 1920 ثم الاستقلال.

 

التجربة هي التي قادت إلى قيام الكيان. ففي لبنان لا يتحدث اللبنانيون عن التسامح بل عن العيش الواحد. المدن والمناطق والقرى وحتى الأحياء مختلطة، بالرغم من ظروف حروب 1975 - 1990 وما شهدته من تهجير. إلا أن التجربة هذه التي هي سبب الوجود، لا تتغير ولا تهتز، مهما تقلبت الظروف الداخلية أو الخارجية. جميع الأنظمة العربية المجاورة تتمتع بالصلابة والاستقرار ما عدا هذا البلد الذي ما زال يترجّح بين الرسالة والساحة. 

 

من الفلسطينيين بالأمس إلى الإيرانيين اليوم، لم تقم في لبنان دائماً دولة ومؤسـسات تحمي هذه التجربة الرائدة بالنسبة إلى العرب والعالم، ولم تقم فيه سلطة بعيدة عن المصالح والمحاصصة بلغة هذه الأيام.

 

هذا أمرٌ آخر أيضاً كان ولا يزال الموضوع الأساسي في هذه الصفحات.

 

ولكن عندما نرى على الشاشات ووسائل التواصل ملك الأردن وملكته وأفراد العائلة المالكة وسائر الشخصيات يتوافدون إلى بلدة حمود في محافظة الكرك للتعزية والمؤازرة، ونرى من جهة أخرى سرعة السلطات الأردنية بتوقيف الإرهابيين الثلاثة، لا يسع المراقب سوى أن يجري التقييم والمقارنات. والنتيجة واحدة لا تتغير: لبنان يحتاج إلى سلطة قادرة ومتجردة ليس فقط لتحمي هذه التجربة بل لتصدرها إلى العالم، إلى عالم اليوم المضطرب في تكويناته البشرية، إذ إن لبنان هو اللبنانيون. والتجربة الآتية من عمق الأجيال لا تبخل بمجيء مسؤولين على صورته الأصلية، يتصرفون بوصفهم مؤتمنين على هذه القضية. لبنان هذا هو قضية. قضية رابحة بالنتيجة لأن لا بديل منها.