الكاتب: جمال زقوت

لم تنتج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أغلبية قادرة على تشكيل حكومة، لكنها كشفت ما هو أبعد من مأزق برلماني عابر. فنتنياهو لم يتمكن من تأمين الأغلبية التي تتيح له إعادة تشكيل ائتلافه السابق، فيما تعجز المعارضة اليهودية، رغم امتلاكها مع الأحزاب العربية أغلبية عددية، عن تحويل النتائج إلى بديل سياسي. وبين عجز المعسكرين، تتكشف أزمة أعمق تتصل بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي والتناقضات التي راكمها المشروع الصهيوني نفسه.

يحاول نتنياهو نقل مركز النقاش العام من مسؤوليته عن الأزمة وعجز معسكره عن تشكيل الحكومة، إلى خلافات المعسكر المناهض له وحدود قدرته على بناء بديل. وتخدم الدعوة إلى "الوحدة" و"إنقاذ الدولة" هذه المناورة، حين تجعل بقاءه خياراً لتحقيق الاستقرار، وتضع خصومه أمام اتهامهم بتعطيله إذا تمسكوا بإقصائه. وهكذا يسعى إلى تحويل السؤال من كيفية إنهاء حكمه إلى مسؤولية الآخرين عن استمرار الانسداد.

ولا يكتفي نتنياهو باستثمار تناقضات وتباينات المعارضة، بل يعمل على تعميقها بالتحريض العنصري على العرب، وتصوير أي أغلبية تستند إلى أصواتهم باعتبارها تهديداً للدولة وافتقاراً إلى الشرعية. فهو يسعى إلى نزع الشرعية عن الطريق المتاح لإسقاطه، وإظهار خصومه عاجزين عن تشكيل حكومة من دون الشراكة التي يحرّض عليها. وحين تستجيب المعارضة باستبعاد الأحزاب العربية، فإنها تحاصر خياراتها بنفسها، وتمنحه فرصة لتقديم بقائه بوصفه المخرج من المأزق، ناهيك عن التباينات داخل معسكر المعارضة نفسه.

من إسقاط نتنياهو إلى إنقاذ النظام

تكشف نتائج الانتخابات مفارقة واضحة: 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، مقابل 48 للمعارضة اليهودية و19 للأحزاب العربية. فالمشكلة ليست استحالة تشكيل أغلبية بديلة حسابياً، بل رفض و تردد معظم القوى الصهيونية الاعتراف بأصوات المواطنين العرب أساساً لشراكة سياسية شرعية في تقرير مستقبل الحكم.

وحين تغلق المعارضة هذا الطريق، يصبح التفاهم مع الرجل الذي تعهدت بإسقاطه خياراً قابلاً للتداول، فيما تبقى الشراكة مع العرب محظورة. هنا تتكشف حدود الديمقراطية الإسرائيلية؛ فالقوى التي تتهم نتنياهو بتقويض المؤسسات وتهديد مستقبل الدولة تتمسك بإقصاء سياسي يجعل تغيير الحكم نفسه متعذراً.

ولا يقف التناقض عند الحسابات البرلمانية. فالمعارضة لا تقدم، في معظم مكوناتها، مراجعة استراتيجية للسياسات التي أنتجت الأزمة. وهي تختلف مع نتنياهو حول إدارة الدولة وكلفة سياساته على تماسك المجتمع وعلاقاته الدولية، لكنها لا تطرح بديلاً واضحاً ينهي الاحتلال والاستيطان، أو يعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أساساً للاستقرار، بل تتردد حتى في حسم موقفها من المواطنة والمساواة داخل الدولة.

وعليه، فإن اختبارها يتجاوز قدرتها على إسقاطه إلى حقيقة مشروعها: هل تريد تغيير المسار الذي أنتج الأزمة، أم إنقاذ النظام من نتنياهو، حتى لو انتهى بها الأمر إلى إنقاذه معه؟

إعادة تشكيل المعسكرات أم توزيع الأدوار؟

لا تحتاج مناورة تفكيك المعارضة إلى إنتاج حكومة حتى تترك أثرها. فالتشكيك في التزامات أطرافها، وإبقاء احتمالات انشقاقها حاضرة، يضعف الثقة بينها وبين ناخبيها، ويبدد الزخم الذي يفترض أن تمنحها إياه خسارة معسكر نتنياهو للأغلبية. ويصبح خصومه مطالبين بإثبات أنهم لن ينضموا إليه، بدلاً من إلزامه بمواجهة مسؤوليته.

لكن إرباك المعارضة لا يضمن تجاوز المأزق؛ فقد يعيد توزيع المواقع داخلها، دون إزالة التناقض الذي يعطلها: كيف تبني أغلبية بديلة وهي تستبعد الأحزاب العربية؟ وكيف تقدم تغييراً حقيقياً دون مراجعة السياسات التي أوصلت إسرائيل إلى أزمتها؟

كذلك، فإن إبعاد بن غفير وسموتريتش لا يكفي دليلاً على الاعتدال؛ فصعودهما لم يكن طارئاً على مسار الاحتلال والاستيطان. وقد يتيح وجودهما في المعارضة مزيداً من التعبئة حول الضم والتهجير، ما دامت القوى المنافسة لا تواجه الأسس التي تغذي نفوذهما. وقد ينشأ تقارب بين اليمين التقليدي والوسط الصهيوني لترميم الدولة وعلاقاتها، لكن الخلاف يظل حول وتيرة المشروع وكلفته، دون مراجعة جوهره الاستيطاني.

واشنطن وحماية المشروع

لا ينفصل الدور الأمريكي عن الصراع على وجهة الحكم في إسرائيل. فواشنطن معنية بحكومة قادرة على تنفيذ الترتيبات التي تخدم مصالحها، وقد تدفع نحو تفاهمات تراها ملائمة لذلك. غير أن مصالحها لا تتطابق بالضرورة مع حاجة نتنياهو إلى البقاء، حتى عندما يوظف العلاقة معها لتعزيز موقعه.

وتكشف هذه العلاقة مفارقة في مكانة إسرائيل: فالدولة التي تفاخر قادتها بنفوذها في واشنطن، يتزايد اعتمادها على الحماية الأمريكية لمواجهة تداعيات سياساتها. فالتمويل والتسليح والحماية السياسية أسهمت في تمكين الاحتلال والاستيطان والإبادة في غزة، وتحمل واشنطن مسؤولية استمرار هذا المسار.

ومن ثم، فإن التباين مع نتنياهو أو شركائه لا يعني مراجعة هذه الشراكة. فقد ترغب واشنطن في حكومة أقل إرباكاً لترتيباتها الإقليمية، وأقدر على ترميم علاقات إسرائيل وتوسيع التطبيع، دون أن يقترن ذلك بإنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الفلسطينية. وتلتقي هذه الرغبة مع قوى إسرائيلية تسعى لتخفيف أعباء التطرف، دون مواجهة السياسات التي أنتجته.

مأزق الحكم أم مأزق المشروع؟

تكشف الأزمة تناقضاً يتجاوز نتنياهو وخصومه. فالمشروع الصهيوني الذي جمع بين تعريف الدولة باعتبارها يهودية وتقديمها بوصفها ديمقراطية، يواجه انكشاف التناقض بين المكونين. وحين تصبح أصوات العرب كافية لتغيير الحكم، ثم تُستبعد شراكتهم، تتحول البنية العنصرية إلى عائق أمام تداول السلطة نفسه.

ولا تلغي الخلافات حول القضاء والدين والدولة هذه الحقيقة. فبينما يسعى اليمين الديني والقومي إلى الحسم بالضم والتهجير، تحاول قوى اليمين التقليدي والوسط إدارة السيطرة بكلفة أقل، فيما يغيب الاعتراف بالحقوق الفلسطينية أساساً للاستقرار.

وقد كشفت الإبادة في غزة حدود الاعتقاد بأن التفوق العسكري ينتج حسماً سياسياً دائماً؛ فالدمار لا يتحول بالضرورة إلى شرعية، ولا ينهي تطلع شعب إلى الحرية. كما أن الحماية الأمريكية لا تلغي التناقض بين استمرار الاحتلال والاستقرار الإقليمي.

قد تمنح المناورة نتنياهو فرصة للبقاء، وقد تنقذ إعادة تشكيل المعسكرات حكومة، لكنها لن تخرج المشروع الصهيوني من مأزق الجمع بين ادعاء الديمقراطية واستمرار السيطرة الاستعمارية على الشعب الفلسطيني وإنكار حقوقه الوطنية.