تبدأ أزمة الوعي حين يصبح التعليق على الحدث أهم من فهمه، وحين تستحوذ التفاصيل العابرة على الاهتمام، بينما يتراجع المضمون الذي يستحق القراءة والتحليل. وفي زمن تختصر فيه المنصات لقاءً كاملًا في ثوانٍ، يمكن أن تتغير زاوية النظر إلى الواقعة تمامًا؛ فيتحول السؤال من مدخل للمعرفة إلى مناسبة للسخرية، ويصبح صاحبه موضوعًا للنقاش بدلًا من القضية التي طرحها. عندها ينبغي أن نسأل أنفسنا عن دورنا نحن: هل نبحث عما يساعدنا على الفهم، أم نكتفي بما يمنحنا فرصة لإطلاق تعليق سريع؟
هذا ما استوقفني في الجدل الذي أحاط بظهور الأستاذ نشأت الديهي أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فالقضية في تقديري تتجاوز شخص الديهي إلى طريقة تعاملنا مع العمل الصحفي، ومعنى النقد وحدوده، وما نتركه في نفوس الأجيال التي تبدأ طريقها في مهنة تحتاج إلى المعرفة بقدر احتياجها إلى الشجاعة.
كان الأولى أن نبدأ بإجابات بوتين، وأن نتناول ما قاله بالتحليل، ثم نناقش السؤال وصياغته في سياقهما. فالديهي طرح تساؤلات تتصل بدور روسيا في تسوية النزاعات الإفريقية، خصوصًا في مناطق القرن الإفريقي والبحيرات ومنابع النيل، وكذلك بالتوتر بين موسكو وأوروبا واحتمالات المواجهة بينهما. وهذه قضايا ترتبط بمحيطنا ومصالحنا، وتستحق أن نبحث فيما تحمله الإجابات عنها من مواقف ورسائل.
لكن جانبًا من التفاعل اتخذ طريقًا آخر؛ إذ انصرف الاهتمام إلى طلب التعريف بصاحب السؤال والمؤسسة التي يمثلها، وإلى التسمية التي استخدمها للقناة، حتى طغت هذه التفاصيل على مضمون اللقاء. وهنا وقع الخلل في ترتيب الأولويات: أصبح لدينا جدل واسع حول السائل، ومساحة أقل لمناقشة إجابة المسؤول الذي توجه إليه السؤال.
وظيفة الصحافة أن تستخلص من حديث المسؤول ما يفيد الجمهور، وأن تختبر عباراته، وتربطها بالوقائع والمصالح والتحديات. فعندما يتحدث رئيس دولة عن المساعدة في تسوية نزاعات، ينبغي أن نسأل عن الأدوات وحدود التأثير وفرص الانتقال من الموقف المعلن إلى الفعل. وعندما يتحدث عن تجنب الحرب، تكون مهمتنا قراءة المسافة بين هذه اللغة وبين تعقيدات المشهد الدولي. هذه هي القيمة التي يستطيع العمل الصحفي أن يضيفها، وهي قيمة تتراجع حين نستهلك اهتمامنا كله في تفصيل عابر.
أما طلب التعريف بالصحفي ومؤسسته، فلا يكفي وحده لبناء رواية عن إهانة أو إحراج. تحميل هذه اللحظة معنى قاطعًا يحتاج إلى دليل يتجاوز الانطباع. والإنصاف يفرض علينا ألا ننسب إلى أي طرف نية لم يعلنها، وألا نحول قراءتنا الشخصية للمشهد إلى حقيقة نحاكم بها الآخرين.
وحتى لو افترضنا أن نشأت الديهي أخطأ في تعبير أو تقدير أو صياغة، فإن مسؤوليته عن ذلك تظل قائمة أمام نفسه ومؤسسته ومعايير المهنة، وله أن يراجعه ويوضحه. أما السوشيال ميديا فلا تملك إصدار حكم نهائي على كفاءته أو مصادرة تاريخه. للجمهور حق المناقشة والنقد، لكن هذا الحق لا يحول كثرة التعليقات إلى معيار مهني، ولا يجعل الانتشار دليلًا على صحة الاتهام.
ومن المهم هنا أن نفرق بين تقييم الأداء ومحاكمة صاحبه. يمكن مناقشة طول السؤال، ومدى تركيزه، وما إذا كانت مقدمته تخدم الغرض منه، وما إذا كان جمع ملفات متعددة يساعد على الوصول إلى إجابة محددة. هذه أسئلة مهنية مفيدة، ويمكن أن يختلف الصحفيون حولها باحترام. لكن الانتقال منها إلى السخرية من الشخص أو الانتقاص من مسيرته يهدر فرصة النقاش، ويضع الإهانة مكان الحجة.
والصحافة المصرية، بتاريخها وعظمائها، تستحق مستوى يليق بها في الاختلاف. فقد تكونت مكانتها عبر أجيال من العمل والمعرفة والمواقف، وعرفت مدارس متعددة في الكتابة والسؤال والحوار. وهذا الإرث يلزمنا بالدقة والعدل واحترام الكرامة الإنسانية. فلا يليق بنا أن ندافع عن رأي بالإساءة إلى صاحبه، أو أن نختلف مع زميل فنستبيح تاريخه، أو أن نرد على منتقد بتجريح مماثل. المهنة أكبر من هذه الدائرة، وأقدر على تقديم نموذج أفضل.
إن احترام أصحاب الخبرة لا يمنحهم حصانة من المراجعة، لكنه يضع المراجعة في إطارها الصحيح. فهناك فارق بين أن تقول إن عبارة كان يمكن أن تكون أدق، وأن تتصرف وكأن صاحبها لم يعمل ولم يتعلم ولم يقدم شيئًا طوال حياته. الحكم العادل يزن الواقعة بحجمها، ويترك مساحة للتفسير والتوضيح، ويقاوم إغراء الأحكام الشاملة.
وأرى أن أخطر ما في هذا المشهد هو أثره الممتد إلى من يقفون في بداية الطريق. فالصحفي صاحب التجربة قد يمتلك من الثقة والقدرة على الاحتمال ما يساعده على تجاوز موجة إساءة، بينما يتابع صحفي شاب المشهد بعين مختلفة. إنه يرى ما يمكن أن يحدث لمن يرفع يده ويتقدم بالسؤال، وقد يستخلص درسًا مؤلمًا: أن السلامة في الصمت، وأن تجنب المحاولة أقل كلفة من احتمال التعثر.
هنا يمكن أن تتحول القسوة إلى عامل يهدم أجيالًا قبل أن تنضج. فالخوف لا يظل محصورًا في موقف واحد؛ قد يصاحب صاحبه إلى المؤتمر التالي، وإلى المقابلة التالية، فيجعله يتراجع عن سؤال مهم، أو يكتفي بصياغة مأمونة لا تكشف جديدًا. ومع تكرار ذلك، تخسر الصحافة أصواتًا كان يمكن أن تضيف إليها، ويخسر الجمهور أسئلة كان يستحق أن يسمع إجاباتها.
نحن بحاجة إلى صحفي يستعد جيدًا، ويفهم الملف الذي يتناوله، ويعرف كيف يصوغ سؤالًا واضحًا، ويتحمل مسؤولية كلماته. ونحتاج كذلك إلى بيئة مهنية تساعده على اكتساب هذه الأدوات من خلال التجربة والتوجيه. فالجرأة الواعية تنمو بالممارسة، والثقة تتكون حين يجد الإنسان من يصحح له ويحفظ كرامته في الوقت نفسه. أما ترسيخ الخوف من الظهور، فلن ينتج صحافة أكثر دقة؛ بل قد ينتج صحافة أقل قدرة على المبادرة.
ومن هذا المعنى أوجه رسالتي إلى الأستاذ نشأت الديهي: رسالتي محبة وتقدير، وليست نصيحة، فهو أستاذنا وقامة نعتز بها، ونحن جيل جديد نتعلم من تجارب من سبقونا ونقدر خبراتهم. أقول له بكل محبة: لا تلتفت إلى الإساءة، وواصل عملك وحضورك وطرح أسئلتك. تظل الخبرة رصيدًا له قيمته، ويظل احترامنا لأساتذتنا جزءًا من احترامنا للمهنة التي تجمعنا.
ولا أرى أن التعبير عن هذه المحبة يحتاج إلى خصومة مع أحد. ما أتمناه هو أن يعود النقاش إلى ميزانه، وأن تكون الملاحظة محددة، والحجة واضحة، واللغة محترمة. فمن حقنا أن نختلف، ومن واجبنا أن نكون منصفين، وأن ندرك أن الكرامة لا تسقط بالاختلاف، وأن المهنية لا تقاس بحدة السخرية.
في النهاية، يكشف هذا الجدل عن مسؤولية مشتركة في توجيه الاهتمام العام. نستطيع أن نستخدم الواقعة مدخلًا لمناقشة فن السؤال، وقراءة إجابات المسؤولين، وتعليم الأجيال الجديدة كيف تستعد وتتقدم بثقة. ونستطيع أن نستنزفها في تعليقات تنتهي بانتهاء تداولها، وتترك أثرًا من الخوف والمرارة.
كان الأولى أن نقرأ إجابات بوتين قبل أن نحاكم نشأت الديهي. والأجدر بنا، ونحن ننتمي إلى صحافة لها تاريخها وعظماؤها، أن نحفظ للسؤال قيمته ولصاحبه كرامته. فالمهنة التي تزرع الخوف في أبنائها تضيق بمرور الوقت مساحة قدرتها على المعرفة، والسؤال الذي نحاصر صاحبه بالسخرية اليوم قد نفتقد غدًا من يملك شجاعة طرحه.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر