عودة إلى علم الاجتماع!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

 

< علم الاجتماع السياسي يفكك العلاقة بين السياسة والواقع الاجتماعي وتأثير الأحداث السياسية على البنية الاجتماعية

 

 

 

يوسف عوض العازمي *

alzmi1969@

 

"المجتمع الذي ينكر وجود مرضٍ فيه هو كالمسلول الذي ينخرُ المرضُ في رئتهِ، وهو يأبى أن يستمع إلى ما ينصحه به الطَّبيب".. علي الوردي

في الأزمات الإقليمية بين الدول ذات الطابع السياسي والاجتماعي المتشابه، تبرز أشياء وعلامات تبين بجلاء طبيعة الأحوال الاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية الحقيقية لهذه الشعوب؛ إذ يتبين مدى الالتزام الأخلاقي ومظاهر وثقافة التعامل مع الخصومة، وهل هي خصومة بشرف أم الفجور بها، ويزداد الطين بلة حينما يتم إقحام الشعوب في خلافات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ثم يفاجأ المتابع بأن الشعوب المسكينة قد أصبحت وقودا لمثل هذه الخلافات!

بين الأنظمة المتشابة -خاصة في الدول الغنية- وكأمر طبيعي بسبب تعارض المصالح سياسيا وماليا، تكون طاولة المفاوضات هي الحل، وهي البداية التي تبدأ وتنتهي عندها الخلافات، لكن الخطأ الفادح هو إدخال الشعوب في مستتقع خلافات هي أساسا حول مصالح مشتركة مع قوى أخرى (قد تختلف هذه القوى بحسب الخلاف سواء خلافا حول أمر يتعلق بسياسة خارجية ما، أم تنافسًا على فرص استثمارية معينة؛ لذلك علمنا التاريخ بأنه دائما مثلما بدأ الخلاف بشكل مفاجئ، ينتهي بشكل مفاجئ؛ لأنها لم تكن خلافات بناء على أرضية محددة وواضحة، وإنما بحسب المزاج الشخصي لطرف أو أطراف الخلاف، ثم يلاحظ أنه بعد "حفلات ردح إعلامية" عامرة بالشتائم التي تكسر المحرمات الدينية والأخلاقية، تنقلب الحال وكأن الأحوال مثالية و"العلاقات عال العال"!

هناك علم يدرِّس مثل هذه الحالات وهو علم الاجتماع السياسي؛ حيث يفصل ويفكك العلاقة بين السياسة والواقع الاجتماعي وتأثير الأحداث السياسية على البنية الاجتماعية، وهو ما سأذهب إليه وأطرحه كقضية ملحة تحتاج حوارا أكاديميا علميا على مستوى عال؛ حيث يتم عمل أبحاث حول مثل هذه الحالات، وهذه الشعوب التي وكأنها زر ON أو OFF  تحت رحمة ومزاج صاحب قرار قد يكون هو بذاته ضحية مستشارين غير صالحين لأداء الاستشارات ذات الصلة، وغير موفقين في قراءة الأوضاع بشكلها الحقيقي!

نحتاج أبحاثًا تُدرس وتبحث كيفية العلاقة بين الشعوب التي تجمعها أواصر أقلها الدم والدين، ثم فجأة تنقلب من ON  إلى OFF، والغريب هو الفجور بالخصومة وبشكل يذهل المتابع، ويتعجب من كون هذه الشعوب أسيرة مزاج شخصي يحرك عناصر اللعبة بناء على مزاج وليس بناء على استشارات حقيقية من مستشارين معتبرين، أو دراسات وأبحاث تبين خللا ما، وبناء عليه يتم تفاوض ما، وبسبب عدم نجاح هذا التفاوض يحدث الخلاف، الذي يتم التعامل معه وفقا لأجندة وخطط سياسية تبحث خط الرجعة في القرار وتحسب المعطيات، وكيفية (هات/ خذ)، وقصة: اقبض ثم ساوم...وغيرها من قصص المفاوضات التي تكون بين مؤسسات تعرف تماما ما تريد، وفقا لإحصائيات معينة، ومصالح مترتبة طبقا لخطط واضحة.

إنَّ اللعب بسلاح الشعوب هو كما اللعب بالنار، وحين نصل إلى مستوى أن يكون اللسان الخارجي للدول هم المرتزقة من السوشيال ميديا، فهو مؤشر خطير لفراغ أسلحة الدبلوماسية وفراغ خبرتها وجهل فرسانها.

فالأزمات والخلافات بين كافة الأنظمة والمؤسسات هي أمر طبيعي؛ وذلك باختلاف الطموح والمصالح، وقد يكون فيها من أسرار التقارب فيما بعد بناء على مصالح مشتركة، وأرضيات متينة يقف عليها الجميع؛ حيث يتعامل العقلاء مع هذه الخلافات بروح تتحلَّى بالمسؤولية، لا بالمزاج الشخصي، وتكون هذه الخلافات والأزمات محصورة داخل بوتقة معينة ضمن الخلاف ولا تتعداه، ولا يتم التعامل مع الخلاف وملابساته وفقا لمزاج شخصي، أو رؤية عمياء من مستشار لا يرى أبعد من أنفه!

إنَّ الحاجة باتت ملحة لبدء أبحاث في علم الاجتماع السياسي بخصوص دراسة تداعيات الأزمات الإقليمية وتأثيرها على الشعوب، ومحاولة وضع حلول تناسب المتغيرات المستجدة، وللنظر في كيفية ما جرى، وكيف جرى، وإدخال الشعوب كطرف في معمعة لا يملكون قرار البدء فيها ولا قرار الإنهاء؟

* كاتب كويتي

المصدر
جريدة الرؤية العمانية

أخبار ذات صلة

0 تعليق