صحافيات عربيات يكشفن محاولات ثنيهن عن العمل

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
" وكالة أخبار المرأة "

أصبحت رولا خلف أول امرأة تتولى رئاسة “فايننشال تايمز” منذ بدء إصدار الصحيفة قبل 131 عاما، وبذلك ستنضم إلى كاثرين فاينر رئيسة تحرير صحيفة “الغارديان” لتكون ضمن قلة من النساء يتولين رئاسة تحرير صحف كبرى في بريطانيا، حيث كان هذا المجال يعتبر حكرا على الرجال.
وكانت خلف وهي لبنانية الأصل سعت خلال السنوات القليلة الماضية إلى زيادة عدد القراء من النساء وكذلك المحررات في أعرق صحيفة في العالم، والتي تضم أكثر من مليون قارئ مشترك في 2019 خصوصا عبر الإنترنت.
ومَثّل ترؤس سمية الجبرتي منذ خمس سنوات تحرير "سعودي جازيت" الناطقة باللغة الإنكليزية، حدثا كبيرا في بلد محافظ شغلت فيه النساء مناصب قيادية لكن رئاسة تحرير صحيفة يومية، كانت إنجازا جديدا بالنسبة للمرأة السعودية.
الجبرتي كانت استثناء حيث صنفت في عامي 2014 و2017 في قائمة أكثر مئة شخصية عربية تأثيرا في العالم من مجلة أريبيان بزنس.
واليوم خلف تحاول القطع مع الصورة النمطية للصحافية ليس من بوابة منصب رئيس التحرير فحسب، فقد سبق أن أكدت قدرة المرأة على مواجهة كل العقبات والعمل في قلب النزاعات، إذ عملت في الشرق الأوسط خلال ثورات “الربيع العربي”، في الوقت الذي ما زالت فيه مشاركة المرأة في القطاع الإعلامي محدودة، لاسيما في الدول العربية التي تعاني من أزمات وصراعات.
أزمة ثقة
بالرغم من حضور المرأة في قطاع الإعلام العربي، إلا أن وجودها مقترن بسلسلة من العقبات التي تحد من تقدمها في مجال العمل سواء أكانت بالصحف والمواقع الإلكترونية أم بالإذاعة والتلفزيون، كما أن نسبة مشاركتها في مراكز القرار الفعلي لا تزال متواضعة ولا تعكس الصورة الحقيقية التي تمثلها في هذا القطاع.
ويعد الحصول على منصب رئاسة التحرير أو العمل في مناطق النزاع أو تغطية المظاهرات والأحداث السياسية الكبرى، خطوة في طريق تحرير الصحافية من قيود فكرة هذا حكر على الرجال. حيث أظهر استطلاع للرأي أجري أغسطس الماضي على مستوى الاتحاد الأوروبي حول الأنماط الجندرية الأكثر شيوعا في جميع أنواع وسائل الإعلام، أن النساء أقل موثوقية من الرجال، وصورتهن نمطية (تركز على المنزل والأسرة) والأدوار الجنسية أو الأدوار المساعدة.
 الصحافيات في العالم العربي يتمتعن بإمكانية وصول فريدة من نوعها إلى أماكن يعجز الرجال عن الوصول إليها، فهن يكسبن ثقة النساء الأخريات في مخيمات اللاجئين والعيادات والمساجد، وبالتالي هن قادرات على نقل الحقائق حول هذه الملفات للعامة
ووفقا لمنظمة “وان إيفرا”، فإن الإعلام يساهم في التأثير على المجتمع بشكل كبير، وبذلك عندما لا تتساوى النساء مع الرجال في الإعلام، تزيد مخاطر تعزيز الانحياز الجندري والصور النمطية على المستوى الاجتماعي. وإذا حصل ذلك، فلن يؤثر سلبيا على النساء فقط، بل على المجتمع ككل.
وأكدت عدة شهادات أن عمل المرأة في قسم الأخبار أو البرامج بالتلفزيون خاصة تحكمه عدة اعتبارات، إذ هناك من ينظر إلى الإعلامية على أنها فريسة سهلة وجسد جميل كان صكها للوصول إلى كرسي ذاك البرنامج أو تلك النشرة الإخبارية ومثل هذه الأفكار تجد صدى وجمهورا عريضا من المتابعين.
ومن هذا المنطلق لا يتم تقييم عمل المرأة وفق اجتهاداتها بل من منظور يركز على مدى جمالها وحرصها على المحافظة عليه كيفما كان سواء عن طريق عمليات التجميل أو التملق لأصحاب القنوات ورؤساء العمل من الرجال.
وخلصت دراسة أجريت من قبل قسم المتابعة الإعلامية في “بي.بي.سي” إلى أنه في دول متعددة شملت روسيا وإيطاليا وإيران وأوزبكستان وبريطانيا لم تكن الأخبار تهيمن عليها فقط أنباء عن رجال، ولكن الرجال كانوا عادة من يغطون الأخبار “الجادة” التي يمكنها أن تجلب الشهرة لمقدميها وكتّابها.
وغطى قسم المتابعة الإعلامية في “بي.بي.سي” في الدراسة المسحية أفغانستان وأذربيجان ومصر وإندونيسيا والهند وإيران وإيطاليا وكينيا والسعودية وبريطانيا وأزبكستان. ولوحظ في الكثير من الحالات، أن وسائل الإعلام تبرز مكانة الرجال أكثر من المرأة وتقدم ما يعطي شرعية لهيمنتهم المجتمعية على النساء.
هذه النتائج تتفق مع ما خلص إليه مشروع المتابعة الإعلامية الدولية، وهي منظمة غير حكومية كانت قد توصلت إلى أن النساء يمثلن 24 بالمئة فقط مما نسمع عنه في الأخبار على الرغم من أنهن يشكلن نصف عدد السكان.
كما يحظى الرجال بتمثيل أكبر بكثير من النساء في الصور التي تستخدمها المؤسسات الإخبارية الأميركية في القصص الإخبارية المنشورة على موقع فيسبوك، بحسب دراسة جديدة أعدّها مركز بيو للأبحاث.
وعزت الدراسة أسباب زيادة صور الرجال إلى أنّ هناك مواقف كثيرة يكتب عنها الرجال بشكل أكبر من النساء.
ووفقا لدراسة حول “تقييم واقع عمل الصحافيات في مؤسسات الإعلام الأردنية” صدرت في نهاية العام الماضي عن منظمة دعم الإعلام الدولي بالتعاون مع اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، في الأردن على سبيل المثال بلغت نسبة الصحافيات في وسائل الإعلام 23 بالمئة.
مواقف محرجة
أشارت الدراسة الأردنية إلى أن هذه النسبة من النساء العاملات بالقطاع الإعلامي على قلتها تعاني من معيقات متعددة ومتشابكة وتمييزية في مجال عملها، مؤكدة على أن 45 بالمئة منهن تعرضن للتحرش اللفظي أو الجسدي من قبل زملائهن ورؤسائهن أو من قبل مصادر معلوماتهن أو خلال عملهن الميداني.
يشكل التحرش الجنسي أبرز التجارب السيئة التي تقف أمام الكثير من الصحافيات والإعلاميات، وكانت المذيعة دارين الحلوي، مراسلة قناة “سكاي نيوز عربية”، تعرضت نوفمبر الماضي لموقف محرج حين قام أحد المتظاهرين بتقبيلها أمام عدسات الكاميرا أثناء نقلها لبث مباشر للتظاهرات في لبنان.
واستنكرت المراسلة عبر حسابها على تويتر ما حدث، حيث كتبت في تغريدة “توضيحا لما حدث معي خلال الرسالة المباشرة.. ولوضع الحد لكمية التنظير والتأويل للحادثة يخضع المراسل لضغوط كبيرة أثناء البث المباشر، وإن كانت ردة فعلي على القبلة فيها مراعاة للتغطية التي كنت أقدمها، فإنني أستنكر بشدة هذا الفعل المدان، وأرفض أن يتم تأويل ردة فعلي على أنها قبول به”.
وهذه الحادثة ليست الأولى ولا الأخيرة، إذ فوجئت سارة ريفست، مراسلة نشرة أخبار محطة “ويف 3” المحلية في ولاية كنتاكي، سبتمبر الماضي، برد فعل غير متوقع من أحد المارة، أثناء تغطيتها لحدث موسيقي، حيث قام الشخص بمنحها قبلة سريعة وخاطفة على خدها.
وأكدت ريفست لاحقا في مقابلة تلفزيونية أن ما حدث معها لم يكن مضحكا، وقالت “لقد صدمت، فقد كنت أحاول تأدية وظيفتي ولم أستطع إيقافه، هذا الأمر أحرجني وجعلني أشعر بعدم الارتياح والضعف”.
لكن إثبات ما يمكن أن تتعرض له الصحافية من تجارب سيئة أثناء أداء وظيفتها لا يعد أمرا سهلا، لاسيما إذا تعلقت المسألة بتعرض البعض منهن لأي شكل من أشكال التحرش الجنسي، فإنهن يفضلن الصمت.
تجاوز الصمت
لتجاوز كل أشكال الصمت دعت الصحافية اللبنانية-البريطانية زهرة هانكير 19 صحافية عربية وشرق أوسطية لتوضيح تجاربهن، وسرد قصصهن حول كيف يبدو الأمر عندما تختار طوعا الدخول في أكثر الصراعات خطورة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أجل تقديم البعد الإنساني والثقافي للحروب التي تؤثر على الناس الذين يشاركونك الوطن والهوية.
الصحافيات ينحدرن من مصر وسوريا والمغرب واليمن والعراق ولبنان والسودان وليبيا ودول أخرى، وبعضهن يعملن أو عملن في مؤسسات إعلامية كبيرة مثل هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” و”نيويورك تايمز”، والبعض الآخر من المصورات المستقلات أو مديرات المواقع الصغيرة.
وقدمت هانكير في كتاب أصدرته باللغة الإنكليزية تحت عنوان “أور وِمن أون ذا غراوند” (نساؤنا على الأرض)، هذه الشهادات المكتوبة بأقلام صحافيات تحدثن عن التحديات التي يواجهنها أثناء تأدية عملهن في بلدانهن، ويسردن استنكار المجتمع لاختياراتهن المهنية.
وقالت في تقديم الكتاب “يعمل في العالم العربي والشرق الأوسط عدد كبير من الصحافيات بلا كلل لصياغة روايات وتقارير دقيقة حول الأحداث المتغيرة في أوطانهن، وتواجههن خلال عملهن تحديات كبيرة ما بين التحرش الجنسي والتواجد في الخطوط الأمامية في مناطق الحروب والأزمات”.
وكشفت الكاتبة عن الشجاعة والضغوط التي تؤثر على النساء ومن بينها إمكانية تعرضهن لمخاطر الوفاة والاغتصاب والتحرش والاحتجاز، عندما يغطين أحداث العنف.
وسردت الصحافيات كيف يتسللن إلى منازلهن وقد ملئت وجوههن بالكدمات من أثر الضرب، على أمل ألا يرى أحد أفراد أسرهنّ بقع الدم على ملابسهن. بالإضافة إلى أنهن يعانين من الإقصاء، والشعور بذنب النجاة، ونظرات المجتمع الذي يرفض فكرة الشعر المكشوف. إنهن يتعرضن للإهانة والهجوم من الرجال.
وكانت المصورة الصحافية إيمان هلال تعرضت خلال اندلاع الثورة في مصر عام 2011، لضغط عائلي منعها من العمل، حيث رفضت والدتها السماح لها بالخروج من المنزل وأخفت المفتاح، خشية أن تتعرض للأذى.
ونجحت هلال في فك الحصار والخروج، لكن أسرتها أرسلتها في وقت لاحق إلى منزلها الريفي، بعيدا عن الحدث.
قضت الصحافية المصرية أربعة أيام في المنزل الريفي، شعرت خلالها أنها محتجزة، وخافت عند متابعتها للانتفاضة في ميدان التحرير عبر شاشة التلفزيون، من فقدان وظيفتها.
قدرة فريدة
رغم كمّ العراقيل تتمتع الصحافيات في العالم العربي بإمكانية وصول فريدة من نوعها إلى أماكن يعجز الرجال عن الوصول إليها، فهن يكسبن ثقة النساء الأخريات في مخيمات اللاجئين والعيادات والمساجد، وبالتالي هن قادرات على نقل الحقائق حول هذه الملفات للعامة، لكن كسر المعايير يكون مصحوبا بتحديات مستمرة.
وتعتبر الصحافيات المشاركات في الكتاب من بين أفضل المراسلات في المنطقة، وقد كتبن مقالاتهن بأسلوب بلاغي، بالإضافة إلى أنه تتم قراءة مقالات البعض منهن، مثل المراسلة الصحافية العراقية هانا علام، على نطاق واسع في الغرب، والبعض الآخر معروف عند القراء المحليين، فهن يقدمن تقارير من سوريا إلى السودان ومن الخليج إلى شمال أفريقيا.
ويوثق هذا الكتاب بصرف النظر عن انتشاره الجغرافي، مشاركة المرأة في تغطية النزاعات التي عادة ما تكون من اختصاص الرجال إعلاميا، ويأتي ذلك في وقت يتسم بأهمية خاصة، حيث يتم الاعتداء على الحقوق المتقاطعة للإعلام والنساء والمسلمين.
وقالت الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسيفيتش “نحن جميعا ‘أسرى’ لمفاهيم الرجال عن الحرب، لكن النساء يروين قصصا مختلفة عن أشياء مختلفة. هؤلاء الصحافيات مطّلعات، ويجب عليهن التبديل بين الأمومة وتجنب القنابل.. تصبح القاعدة الصحافية المتمثلة في الاحتفاظ بالبعد عن المصادر مجردة، عندما يكونون هؤلاء زملاء الدراسة والأقارب والأحباء والمعلمين والجيران”.
وكتبت المنتجة الإخبارية الليبية هبة شيباني التي شعرت أنها مضطرة لمغادرة بلدها الأم، لحماية ابنتها “أرى الآن كوني أصبحت أمّا هو إنجازي الأهم وأكبر مخاوفي”.
كما تكافح النساء أيضا من أجل التوفيق بين لعب أدوار المواطن من الدرجة الثانية والدور المهني من الدرجة الأولى، حيث تشاجرت زينة رحيم، من سوريا، مع أسرتها بسبب عدم ارتدائها الحجاب. لكنها استسلمت في النهاية وغطت رأسها، وتمردت على “تلك الألوان المعتمة” بارتداء ملابس داخلية مبهجة ولونت حجابها بدبابيس ملونة.
وتساءلت رحيم “من كانت زينة؟ هل كانت زينة المرأة المطيعة والمتواضعة التي تطبخ في الأعياد في أوعية ضخمة لضيوفها؟ أم كانت زينة هي المرأة القوية والمتحررة التي تحدت المجتمع من حولها بعد أن أصبحت أول صحافية”؟
تمزقت الكثيرات منهن بين الشعور بالواجب والإرهاق، ويذهبن إلى حدود مؤلمة من أجل البقاء. سافر العديد منهن إلى الخارج، بما في ذلك ندى بكري مراسلة نيويورك تايمز، فبعد وفاة زوجها وزميلها أنتوني شديد في مهمة صحافية في سوريا، غادرت منزلها في بيروت وانتقلت على بعد آلاف الأميال من كل ما هو مألوف.
وأكدت بكري “لا أستطيع حساب آخر ست سنوات من حياتي. لقد أجبرت نفسي على العزلة التي تملكتني لدرجة لا أستطيع الآن التحرر منها”.
ويطارد النزوح كذلك مراسلة “بي.بي.سي” لينا سنجاب، التي فرت من دمشق إلى بيروت.
اتخذت سنجاب قرارا صعبا بعد تحمل العديد من الاعتقالات والتهديدات وإدراجها في قوائم سوداء وفرض حظر على سفرها لمدة عام. وتقلصت دائرتها الاجتماعية بعد سجن الأصدقاء وإطلاق النار على الأقارب.
وتجلس سنجاب الآن في شرفتها تراقب البحر، ولا تعرف أين تنتمي. تشعر أنها عاجزة، غير قادرة على حماية موطنها الحبيب ووقف تيار القتل هذا.
كما غادرت أسماء الغول غزة متجهة إلى فرنسا، وتكتب أن كونها صحافية في فلسطين، جعل منها مطلّقة وأما وحيدة وهي بعمر الـ35. قتلت الصواريخ الإسرائيلية تسعة من أفراد أسرتها.
وتقول الغول “في خضم الحرب، تقوم بكتابة التحقيقات وتكتب قصة تلو الأخرى، لكنك تفقد قصتك الخاصة وسط كل هذه التفجيرات”.
لكن هنا، في هذا المجلد القيم، تستعيد الغول قصتها وحكاياتها.

المصدر
وكالة أخبار المرأة

أخبار ذات صلة

0 تعليق