منع التلاعب بالقوائم المالية يستدعي «ميثاق شرف»

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

تحقيق:مهند داغر


في وقت اتخذت فيه هيئة الأوراق المالية والسلع عدداً من الإجراءات استهدفت حماية حقوق المستثمرين على مدار الأعوام الماضية، وتضمنت إنذارات وتنبيهات وغرامات، شددت على ضرورة استقلال مدققي الحسابات وعدم تعرضهم للضغط من قبل مجالس الإدارة؛ كون ذلك يعد الضمان الأكبر لنزاهة وصدقية البيانات المالية للشركات.
وفي المقابل، أكد خبراء في تدقيق الحسابات ومحللون ماليون ل«الخليج»، أن بعض إدارات الشركات تستخدم أساليب محاسبة غير قانونية، من أجل تحسين صورة القوائم المالية، إما بهدف تحسين الأداء، أو زيادة القيمة السوقية للشركات. واعتبروا أن قضية التلاعب بالقوائم المالية حقيقة واقعة، تضيع معالمها بين الممارسات المعقولة والضرورية أحياناً، وبين ما هو مضلل وكاذب، وليس في اليد من حلول غير وضع الجهات المختصة ضوابط صارمة، لتأكيد أهمية المراجعة الداخلية والاستقلالية الكاملة للمراجع الخارجي، إلى جانب التطبيق الدقيق لإجراءات حوكمة الشركات، وتغليظ العقوبات بحق المخالفين.
وطالبوا بإعطاء المدققين وكل من يبلّغ عن مخالفة، حصانة تمنع وصول الإداريين إليهم، ويتجسد ذلك في إيجاد قناة مفتوحة للجميع يمكن للشخص من خلالها الإبلاغ عن المخالفات من دون الإفصاح عن هويته، ومن ثم اتخاذ الإجراء اللازم بحق المخالفين والفاسدين بعد التقصي عن صحة البلاغ.
قال وجيه الأطرش، مدقق حسابات: «تتجه بعض إدارات الشركات لاستخدام أساليب محاسبة معينة، من أجل تحسين صورة القوائم المالية أمام المستثمرين والمحللين والدائنين وغيرهم، كالجهات التشريعية والرقابية، لتحسين أداء الشركات لزيادة ما يتحصلون عليه من حوافز مالية، أو لزيادة القيمة السوقية للشركات التي يقومون بالإشراف على إدارتها».
وأضاف الأطرش، أن كبار المسؤولين في الشركة، كالرئيس التنفيذي والمدير المالي، مسؤولون بشكل شخصي ومباشر عن صحة المعلومات الواردة في القوائم المالية، وعليهم التوقيع على جميع القوائم المالية، وتحمل مسؤولية أي خلل فيها، مشيراً إلى أن هناك عقوبات جنائية ضد التلاعب بالبيانات وتحريف السجلات، أو إخفائها.
وأعرب الأطرش عن أسفه لعدم وجود وسيلة فاعلة ومضمونة للسيطرة على آلية إعداد القوائم المالية وضبطها، بشكل يمنع أي تجاوزات ضارة، ولا توجد طرق مؤكدة ومضمونة يمكن من خلالها اكتشاف هذه الألاعيب.
وقال الأطرش إنه على الرغم من أن القوائم المالية تُعد بطرق مهنية متعارف عليها، وتحتوي على ضوابط دقيقة ونماذج محددة لنشر البيانات المالية بالشكل الذي يمكّن المتلقي من استيعاب نتائج أداء الشركات بسهولة نسبية، ومقارنة ذلك بأداء الشركات الأخرى، تفادياً للوقوع في حالات تضارب المصالح، فإن القانون لا يسمح لمكاتب المراجعة بمزاولة أية أعمال أخرى عدا المراجعة، ثم علينا كمستثمرين ومحللين القيام ببعض الطرق الاستقصائية لاكتشاف علامات التحذير، والابتعاد عن الشركات ذات الممارسات المشبوهة.

التدفقات النقدية والأرباح

وأشار إلى أنه من طرق اكتشاف التلاعب ينظر إلى حركة التدفقات النقدية، ومقارنتها بالأرباح التشغيلية؛ لأنه في نهاية الأمر لا بد أن يكون هناك تدفق نقدي من أعمال الشركة مساوٍ لما ينشر من أرباح، ومن المفترض ألا يستمر التباين فترة طويلة.
وأضاف أن ما تتحصل عليه الشركة من إيرادات لا بد أن يظهر عاجلاً أو آجلاً بشكل نقدي، بعد أن يتم خصم جميع المصروفات النقدية منه، غير أن ما يحصل أحياناً هو أن تنشر الشركة أرباحاً تشغيلية متواصلة لعدة فصول، بينما هناك تدفقات نقدية تشغيلية سلبية أو متراجعة. كذلك يجب الانتباه للشركات التي تكثر فيها المخصصات والاستقطاعات والتكاليف غير التشغيلية، لأنها عادة تستخدم كوسيلة للتخلص الهادئ من تجاوزات تمت في وقت سابق.
وكشف الأطرش أن بعض الشركات غير النزيهة، تقوم بالمبالغة في قيمة بعض أصولها، بما في ذلك قيمة المخزون، بهدف تحسين قائمة المركز المالي وخفض المصروفات المؤثرة في الربحية. وعلى سبيل المثال، رفع قيمة المخزون يرفع حجم أصول الشركة، وفي الوقت نفسه يخفض من تكلفة البضاعة المباعة، فترتفع الأرباح.

النفقات المتنوعة

وقال المدقق المالي أحمد سمارة: «يلجأ البعض إلى إخفاء مبالغ داخل ما يسمى «النفقات المتنوعة»، أو الهامشية بنهاية القوائم، ويجب على المدققين مراعاة الملاحظات المدونة في أسفل القوائم لمعرفة ما إذا كان هناك تفسير لأي نفقات غير معتادة». وأشار سمارة إلى أن الشركات تريد لقوائمها المالية أن تكون مستدامة، وفي حال جاءت الأرباح في سنة من السنوات عالية جداً، فإن البعض يقوم بإخفائها وترحيلها إلى سنوات مقبلة ضمن مخصصات مالية. وشدد سمارة على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذا النوع من التلاعب المحاسبي؛ إذ يمكن كشفه وتبريره بصيغة قانونية بسهولة، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في ترحيل خسائر السنة القائمة للسنوات التي بعدها عن طريق إصدار فواتير للمشاريع القائمة مقدماً بتواريخ سابقة. كما تصدر بعض الشركات فواتير بين المشاريع ليغطي المشروع الرابح خسائر المشروع الذي لم يصل إلى مستوى الأداء المتوقع.
و نوه سمارة بأن هذا النوع من التلاعب هو الأخطر؛ لأنه يتم عن طريق تواطؤ بعض موظفي وإداريي الشركة، لإصدار هذه الفواتير التي يصعب على المدققين كشفها، لأنها تحمل تواقيع حقيقية، ولكن التواريخ فيها مزورة و تفتقر إلى التفاصيل.وغالباً ما يحصل هذا النوع من التلاعب ليحصل الأشخاص المعنيون من الإدارة والموظفين، على مكافآت نهاية العام، أو ضمان الحفاظ على الوظيفة.

حصانة

وأكد سمارة أن المدققين الماليين لديهم مؤهلات عالية، لكن الكثير منهم لا يمتلكون الفهم الكامل للعمل الميداني، ما يصعّب عليهم كشف مثل هذا التلاعب، خصوصاً أنهم يعتمدون على الفواتير التي إذا زورت من قبل المؤتمنين عليها، تصبح صعبة الكشف.
وأنهى سمارة بقوله، إنه يجب على إدارة الشركات تمكين شفافية التعامل بإعطاء المدققين وكل من يبلغ عن مخالفة، حصانة تمنع وصول الإداريين الفاسدين إليهم، ويتجسد ذلك في إيجاد قناة مفتوحة للجميع، مثل رقم هاتف أو بريد إلكتروني، يمكن للشخص من خلاله الإبلاغ عن المخالفات من دون الإفصاح عن هويته، ومن ثم اتخاذ الإجراء اللازم بحق المخالفين والفاسدين بعد التقصي عن صحة البلاغ.

التعمق في الأرقام

المحلل المالي عميد كنعان قال: «من يعين المدققين هو الجمعية العمومية للشركات وليس مجلس الإدارة، ليكون المدقق ممثلاً للمساهمين، وعليه أن يتحلى بالأمانة ويأخذ بعين الاعتبار مصلحة الشركة والمساهمين كذلك، بدون أي مجاملة أو محاباة، كما يجب إيجاد لجنة خاصة بالمدققين للحفاظ على دورهم، لاسيما وأن شركات في بعض الدول حرمت هؤلاء من دورهم الحقيقي».
واعتبر كنعان أن المدقق المالي يعتبر ناقوس الخطر الأول، الذي يقع على عاتقه التدقيق في المعلومات التي يتلقاها من الإدارة، ومسؤوليته لا تقل على مسؤولية مجالس الشركات، معتبراً أن بعض المدققين يحابون مجلس الإدارة، من خلال عدم تعمقهم في الأرقام المقدمة إليهم.
وطالب كنعان بإيجاد فريق متخصص بالتدقيق ذي كفاء عالية، يكون معنياً بدراسة شركات المساهمة العامة، مع وجود ممثل من وزارة الاقتصاد، إلى جانب مدققين ممثلين لمختلف القطاعات كالبنوك والتأمين، بالتنسيق مع هيئة الأوراق المالية والسلع، لتفادي ما حصل مع شركات مساهمة عامة تكبدت خسائر فادحة أدت إلى إفلاس بعضها.

إيجاد ميثاق شرف

واعتبر المحلل المالي وضاح الطه، أن المدقق الخارجي لديه أكثر من طريقة لبناء خط دفاعي حيال الكشوف المالية، منوهاً بأن تقييمات الأصول في الشركات تمر بثلاثة مستويات، ونجد أن هذه التقييمات تتركز على المستويين الثاني والثالث، اللذين يعتبران الأقل دقة، وهذين المستويين تكون التقارير المالية المدققة فيهما أقرب إلى التخمين.
وأشار الطه إلى أن بعض المدققين لا يريدون خسارة عملائهم، من خلال اتباع صياغة ضعيفة في الكشوف، فيما بدأ الضعف في أداء المدقق نتيجة التساهل في معايير إعداد الكشوف، والمرونة من خلال وضع المسؤولية على عاتق أعضاء مجالس الإدارة للبت فيها.
ودعا الطه إلى إيجاد ميثاق شرف مهني يمنع تكرار سلوكيات تسببت في مشاكل كبيرة لشركات مساهمة عامة، لا سيما أن نتائج هذه السلوكيات تنعكس سلباً على الاقتصاد الوطني، مقترحاً أن تكون هناك جمعية للمدققين تنظم المسائل المهنية بينهم وتراقب سلوكهم، في الوقت الذي تنشط فيه هيئة الأوراق المالية والسلع لمتابعة حالات أدت إلى إفلاس شركات.

حوكمة الشركات

ورأى وائل محيسن، المدير العام لشركة جلوبال لتداول الأسهم والسندات، أهمية التطبيق الصارم لحوكمة الشركات، وإعطاء المدققين صلاحيات في إطار ملاحقة مجالس الإدارات، لإحباط أي تلاعب يمكن أن يحصل في القوائم المالية، كما يجب تعزيز الرقابة على بند «براءة الذمة» الذي تُقره الجمعيات العمومية للشركات، وكذلك تعزيز القوانين التي تضبط عمل المدققين، في حال تورطوا في التستر على القوائم المالية المشكوك في صحتها للشركات، وإعطائهم حصانة أكبر لضمان استقلاليتهم.


«هيئة الأوراق»: الاستقلالية ضمان النزاهة

شددت هيئة الأوراق المالية والسلع على استقلال مدققي الحسابات، وعدم تعرضهم للضغط من قبل مجالس الإدارة، مشيرة إلى أن ذلك يعد الضمان الأكبر لنزاهة وصدقية البيانات المالية للشركات، مؤكدة أهمية التزام مدقق الحسابات الخارجي باستقلال تفكيره في جميع الأمور المرتبطة بالمهمة المكلف بها.
وأوضحت الهيئة أن أهم العناصر التي تدعم استقلالية مدقق الحسابات، هو الحياد في جميع الأمور التي تعرض عليه، إذ يجب أن تتميز أعماله بالعدالة لجميع الأطراف والفئات المختلفة، مؤكدة أن تميّز المدقق بالأمانة المهنية يجعل آراءه غير متحيزة لأي جهة، كما يجب أن يقتنع مستخدمو القوائم المالية باستقلال المراجع، فالوجود الحقيقي لمهنة التدقيق الخارجي يعتمد على هذا الاقتناع.
واعتبرت الهيئة أن ظهور مراجع الحسابات بمظهر الاستقلال والحياد، يعزز من ثقة جميع الجهات المستفيدة من خدماته، ويمكّن ذلك من التحقق من تمتعه بالاستقلال التام، ولعل المظهر المستقل ينال اهتماماً من الجمهور أكثر من الحالة العقلية، كما أن النظرة السلوكية لعمل مدقق الحسابات الخارجي تمكّن من تحديد المؤشرات التي قد تضغط على استقلالية وحياده، وتخرجه من الاستقلال التام.

هذا المقال "منع التلاعب بالقوائم المالية يستدعي «ميثاق شرف»" مقتبس من موقع (الخليج) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو الخليج.

أخبار ذات صلة

0 تعليق