الرأى والشجاعة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لا شك أن للفن دورًا تحفيزيًا للهمم ورفع الروح المعنوية للشعوب فى أزمان الحروب، وأيضًا فى أزمان السلم والبناء والتعمير. ورفع الروح المعنوية فن وعلم له ناسه، وليس مجرد نوايا حسنة أو استعراض عضلات وسفك دماء على الشاشات. وحينما تتواتر الأنباء عن إنتاج فيلم عن «خالد بن الوليد».. فلنا أن نتساءل عن مدى فطنة هذا الاختيار، فى ضوء ما يدور فى بلدنا وفى عالمنا الآن.

■ هل يعجز بلد عمره آلاف السنين مثل بلدنا أن يجد فى تاريخه من النماذج والأبطال مَن يستحق أن يكون مادة لفن درامى تحفيزى.. أبطال فى كل المجالات، الحربية أو غير الحربية؟ أَنَضَب العقل والخيال الدرامى؟ أم هو الجفاف الثقافى؟ لماذا تستورد الدراما والفنون المصرية أبطالها من خارج مصر؟ هل فرغنا وأنتجنا بما فيه الكفاية أعمالًا عن أبطالنا، «رمسيس» أو «أحمس» أو «حتشبسوت» أو غيرهم من أسلافنا من عظماء المصريين؟ أم فُرِّغت الذاكرة من ذكرهم لكونهم لم ينطقوا بالشهادتين؟. ولماذا نقدم نموذج «خالد بن الوليد» فى يومنا هذا بالذات، حيث تتحفز كل أنظار العالم وتتحسب وتترصد لكل ما هو يتعلق بكلمة «إسلام»؟. إنه اختيار يبين عن الجهل بالتاريخ، ممتزجًا بالوعى الزائف، والتترُّس فى كهوف ماضٍ منقطع عن الحاضر والمستقبل.

بعد وفاة نبى الإسلام، وفى خلافة «أبى بكر الصديق»، رفضت بعض القبائل دفع «الزكاة» إلى الخليفة- الذى لم يشاركوا فى اختياره- فشَنَّ الخليفة عليها الحروب المعروفة بـ«حروب الردة». كان «خالد بن الوليد» قائدًا من قواد تلك الحروب التى شُنت على «مانعى الزكاة»، هؤلاء الذين رفضوا أن يوصَفوا بـ«المرتدين»، فهم مُوحِّدون مُصلّون ولم يتركوا الإسلام. وكان من بين مانعى الزكاة هؤلاء «مالك بن نويرة»، وهو من كبار «بنى تميم». وعقب جدال بين «مالك» و«خالد»- فى وادى «البطاح»- أكد فيه «مالك» إسلامه ونفى ردته- وشهد بإسلامه اثنان من أصحاب «خالد» نفسه- طلب «مالك» من «خالد» أن يرسله إلى الخليفة «أبى بكر» ليقضى هو فى الأمر بالعدل. ولكن «خالد» رفض العرض وأمر بقتل «مالك». قُطع رأس «مالك»، ومُثِّل به، وتزوج «خالد» من امرأته «ليلى».. فى ساحة القتال.

بعد معركة «البطاح»، وفى حرب «اليمامة» ضد «بنى حنيفة»، تزوج «خالد» أيضًا من فتاة من «بنى حنيفة»، قبل العودة من ساحة القتال. ولما علم «الخليفة» كتب له غاضبًا مستنكرًا كيف أنه «ينكح النساء وفى فناء بيته ودم ألف ومائتى رجل من رجال المسلمين لم يجف بعد؟!».

فى كتابه «عبقرية خالد»، يعرض «العقاد» للبطولات العسكرية العديدة لخالد بن الوليد. وعندما يأتى ذكر «حروب الردة»، يذكر «العقاد» ما فعله «خالد» بالمرتدين من «تمثيل وتنكيل وقتل وحرق وإلقاء من فوق الجبال»، حتى إن «عمر بن الخطاب» استنكر إحراق الناس، وقال للخليفة: «بعثتَ رجلًا بعذاب الله؟ انزعه». ولكن الخليفة لم ينزعه. و«العقاد»، بعد أن يسرد ذلك، لابد أن يدافع عن «عبقرية بطله» ويبرر له كل تصرف، حتى التمثيل بالضحايا! فنجده يقول فى كتابه: «وأيًا كانت المثلات بالمرتدين (التشويه والتقطيع والتنكيل)، فهى على التحقيق لا تتجاوز المثلات التى تؤمر بها حملات التأديب فى عصرنا هذا لمعاقبة أناس لم يقترفوا مثل ما اقترفه المرتدون، ولم يقرنوا فعالهم بجريرة الخروج على عقيدة أو شريعة، ولا بتهديد الدولة فى كيانها..»!!.

يقول «العقاد»- بعد عرضه مختلف الأقوال فى قصة «خالد» و«مالك بن نويرة»، وعجزه عن إيجاد مخرج للدفاع عن «بطله»: «وحسبنا من هذه الأقوال جميعًا أن نقف منها على الثابت الذى لا نزاع فيه، وهو هنا أن وجوب القتل لم يكن صريحًا قاطعًا فى أمر مالك بن نويرة، وأن (مالكًا) كان أحق بإرساله إلى الخليفة من زعماء (فزارة) وغيرهم، الذين أرسلهم (خالد).. وأن (خالدًا) تزوج امرأة (مالك) وتعلق بها وأخذها معه إلى اليمامة (حرب اليمامة) بعد لقاء الخليفة.. وأوجب ما يوجبه الحق علينا بعد ثبوت هذا كله أن نقول إن وقعة (البطاح) صفحة فى تاريخ (خالد) كان خيرًا له وأجمل لو أنها حُذفت ولم تُكتب على قول من جميع تلك الأقوال..». هكذا قال «العقاد» عن صفحة لا تدعو إلى الفخار، من صفحات كتاب سيرة «خالد»، فماذا يفيدنا إحياء الكتاب اليوم، حين تستلزم الفطنة والكياسة السكوت عنه وعن صليل السيوف وأنهار الدماء المنبثقة من صفحاته؟.

«خالد بن الوليد» وما فعله بـ«مالك بن نويرة» وإحراق قومه، فى وقعة «البطاح»، هو القدوة لبعض مشاهير زعماء السلفيين من نجوم الفضائيات، ومشاهدة «يوتيوب» تبين كم يذكرون بالتفصيل وبالفخر وقعة «البطاح» وما فعله «خالد» بمالك بن نويرة وقومه.

أما عن الأعمال الفنية التى تتغنى بالمماليك وتُعلى من دورهم فى تاريخنا، فهى للأسف تبين عن جهل بتلك الفئة من العبيد المرتزقة المجلوبة من الخارج- حتى وإن تمصّروا- والذين استعبدوا المصريين واستنزفوا ثرواتهم، لقرون عديدة، قبل وبعد الغزو والنهب العثمانلى للبلاد.

■ يستمر تجرؤ بعض المنتجين على تقديم «جعجعة» لا طائل من ورائها سوى المزيد من إهدار الأموال، والمزيد من التغييب للعقل، فى زمن أصبح فيه «التبجح» هو «الشجاعة»، و«الفهلوة» هى «الرأى الحصيف».

■ يقول المتنبى:

الرأى قبل شجاعة الشجعانِ

هو أول وهى المحل الثانى

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرةٍ

بلغت من العلياء كل مكانِ

المصدر
المصرى اليوم

الكاتب

شهارة نت shaharah.net

موقع اخباري

أخبار ذات صلة

0 تعليق