يا حفيظ.. احفظنا

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

فى حياتنا نتفاخر بعلاقاتنا، خاصة إذا كانت بمن هم ذى مكانة أو شأن، ونزداد فخرًا وسعادة عندما نتيقن بـأن لنا مكانة فى قلوبهم، فيتحدثوا عنّا أمام غيرنا بمشاعر ملئها المحبة والود، لا لشىء إلا أننا أخلصنا لهم فى محبتهم، ولم نجاملهم أو نبالغ فى إظهار مشاعرنا نحوهم.
لكن ما أعظمه من شرف، وما أرفعها من منزلة، أن تذكر الله فيذكرك: «فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ»، تخيل الله جل فى علاه حين تذكره فى صلاتك أو ذكرك، يرد عليك فورًا ذكرًا بذكر، تذكره فى نفسك، فيذكرك فى نفسه، تذكره فى ملأ فيذكرك فى ملأ أفضل منه.
عندما قرأت: «فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ»، تحدثت إلى نفسى متسائلاً: هل إذا ذكرت الله.. القدوس الملك الأعظم يذكرنى أنا العبد الفقير الذليل المخلوق.. سأكون بعينه فى رعايته فى حفظه فى توفيقه فى وليته يحبنى الله؟ فطرأ فى بالى قوله تعالى: «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا»، هكذا أتانى الشعور أن الذكر يجعل الذاكر لله فى عين الله، يعنى فى رقابة ورعاية المعية الإلهية الخاصة.
عندما فتحت المصحف على قوله تعالى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ»، وقفت على ما بعد قوله: «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا»، إذ أتى بعدها التسبيح مباشرة، فحتى تكون فى عين الله.. كن من المسبحين.. أكثر من التسبيح والذكر.
قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه، يقول الله تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى، وَأَنَا مَعهُ إِذَا ذَكَرَنى، فَإن ذَكرَنى فى نَفْسهِ، ذَكَرْتُهُ فى نَفسى، وإنْ ذَكَرَنى فى ملإٍ، ذكَرتُهُ فى ملإٍ خَيْرٍ منْهُمْ» متَّفقٌ عليه.
يقول العارفون بالله، إذا أحب الله عبدًا أطلق لسانه بالذكر، قال سبحانه: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ»، ويقول النبى، صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِى يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِى لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»، البخارى.
ومن أسماء الله الحسنى اسم الله «الحفيظ»، الذى يحفظك من كل ما تخشى وتخاف، فالإنسان مفطور على حب وجوده وعلى حب سلامة وجوده، وكم من التدابير التى يتخذها للحِفاظ على ماله وصحته وأولاده.
فالإنسان يبذل جزءًا كبيرًا من نشاطه فى الدنيا فى سبيل الحفاظ على وجوده، أحيانًا يصل إلى مرتبة ومنصب ويبذل أربعة أخماس وقته فى الحِفاظ على هذا المنصب، وكأن الحِفاظ عليه هو شغله الشاغل وقضيته الأساسية.
لكن مهما كُنت ذكيًا، ومهما أخذت من الاحتياطات، ومهما حصنت نفسك، وأخذت بأسباب الحِفظ المادية، فإنه لا جدوى لها إذا ما نسيت مُسبب الأسباب هو الله عز وجل، «فالله خير حافظًا»، هو وحده الذى يحفظك ويتولى أمرك، فلا تقلق ما دمت أوكلت أمرك إليه، ولا تخف، ما دمت قد رفعت يدك إليه متوسلًا وخائفًا، ترجو رحمته وتخشى عذابه.
النبى، صلى الله عليه وسلم، يقول: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعـوك بشىءٍ لم ينفعوك إلا بشىءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشىءٍ لم يضروك إلا بشىءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصحف».
«فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين»، قالها سيدنا يعقوب عندما ضاع منه يوسف فحفظه الله ورده إليه بعد ٤٠ سنة وقد أصبح عزيز مصر «ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا»، كل هذا لثقة يعقوب فى حفظ الله.
مَن منا لا يخشى على أولاده، ولا يخاف عليهم، وقد فطرنا الله على ذلك، لكن من منا يمتلأ قلبه باليقين مثلما امتلأ قلب يعقوب يقينًا بأن الله سيحفظ له ابنه وسيرده له، حتى وإن باعدت بينهما الأيام والسنين.
فليكن ذكرك دائمًا: «يا حفيظ احفظنا»، ولتدع الأمر على من لا يغفل ولا ينام، وهو من سيحفظك بعين رعايته، ويبعد عنك كل الشرور والمخاوف.
الله حفيظ.. حفظ القلب فى القفص الصدرى.. حفظ العين فى عظام حدقة العين.. حفظ المخ فى عظام الجمجمة.. حفظ الجنين فى الرحم.. حفظ الأرض بالغلاف الجوى عن النيازك.. حفظ الطفل الرضيع بعاطفة حب الأم.
عش مع اسم الله الحفيظ، ولن يضرك ضار، أو يهزمك خوف، فالنافع هو الله، والضار هو الله، كل شىء بأمره، لا شىء يقع إلا بإذنه، وتذكر على الدوام قول الله تعالى: «وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله» حتى تكون على يقين تام فى قضاء الله وقدره، ولو تكالب عليك أهل الأرض أجمعون، فلا يملك كائن من كان أن يضرك إلا بأمره، ولا يملك أحد أن يدفع عنك الأذى إلا إياه، فلا ملجأ منه إلا إليه سبحانه.
وقد كان دعاء النبى، صلى الله عليه وسلم، حين يصبح وحين يمسى: «اللهم إنى أسألك العافية فى الدنيا والآخرة، اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى دينى ودنياى وأهلى ومالى، اللهم استر عوراتى وآمن روعاتى، اللهم احفظنى من بين يدى ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى ومن فوقى، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتى».

المصدر
الدستور

أخبار ذات صلة

0 تعليق