فترات الحكم الانتقالية في السودان…. من يستفيد من أخطاء الماضي؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

السودان اليوم:
ثلاث فترات انتقالية مرت على السودان بعد استقلاله جاءت بعد حكومات انقلابية تفاوتت في فترتها الزمنية كما تباينت في حصادها السياسي بحسب المراقبين، لكن لعل العامل المشترك هو أن جميعها تخللتها عدة أزمات سياسية وأمنية، كما أن بعضها كان مدنياً مثل حكومة سر الختم الخليفة والأخرى خليط بين المدنيين والعسكريين في كل من حكومة سوار الذهب والحكومة الحالية التي أعقبت ثورة الحادي عشر من ديسمبر 1918. لكن بالطبع هناك ثمة تلاقٍ وتقاطعات بين تلك الحقب الانتقالية، نحاول عبر هذه المساحة أن نعرض هذه المحاور باختصار..
الأولى…. هل طالب (عبد الله خليل) الفريق عبود بتسليم السلطة للمدنيين؟!
استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة في البلاد عقب انقلاب عسكري في الثامن من نوفمبر عام 1958 أطاح بالحكومة المدنية آنذاك، واتفقت المصادر أن الانقلاب تم بتحريض من رئيس الوزراء عبد الله خليل، الذي قيل إنه أقدم على هذه الخطوة خوفاً مما اعتبره خطراً يهدد استقلال البلاد في حالة حدوث انقلاب وشيك مدعوم من الجارة مصر في ظل التيار الاتحادي الذي كان يدعو للوحدة مع مصر قبل وبعد الاستقلال، في حين أن عبد الله خليل المنتمي لحزب الأمة كان من المنافحين عن الاستقلال والداعين لتقليل النفوذ المصري في السياسة السودانية وسيادة الحكم الوطني مع الاحتفاظ بعلاقات خاصة مع تلك الجارة.
وقالت مصادر إن عبد خليل أخطرعبود بأن يسلم السلطة مجدداً للمدنيين، بيد أن عبود لم يلتزم بعهده واستمر في الحكم لمدة ست سنوات حتى أطيح بحكمه عبر ثورة أكتوبر الشهيرة في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964 والتي سقط فيها عدد من الشهداء كان أولهم الطالب أحمد القرشي، وقام الفريق عبود بحل الحكومة وبقي في السلطة إلى أن تم تكوين مجلس سيادة من خمسة أشخاص وحكومة انتقالية في الثلاثين من أكتوبر 1964 برئاسة سر الختم الخليفة، شملت كلاً من حزب الأمة والحزب الوطني والاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي، كما ضمت سبعة وزراء لتمثيل النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين للجنوب، وكان من بين السبعة وزراء، السكرتير العام للاتحاد العام لنقابات عمال السودان ورئيس اتحاد المزارعين. واعترض حزب الأمة والوطني الاتحادي على هيمنة جبهة الهيئات على التشكيل الوزاري ونفوذ الحزب الشيوعي عليها وأعلنوا عزمهم على تغيير الحكومة والتي لم تبدأ بعد في تنفيذ أهدافها العشرة التي جاء في أهمها:
إطلاق الحريات العامة كحريات الصحافة والتعبير والأحزاب السياسية، وإلغاء جميع القوانين المقيدة للحريات، وتأمين استقلال القضاء وازدادت حدة التوتر بين الأحزاب المحسوبة على الطوائف وجبهة الميثاق ضد الحكومة والتي تنتهي دورتها المحددة في 31 مارس 1965 .
ثورة الأنصار
وصعّد حزب الأمة معارضته للحكومة، وفي الرابع من فبراير حشد الحزب عدداً كبيراً من أنصاره جاءوا من أقاليم السودان المختلفة مطالبين بحل ما يسمونه بحكومة الشيوعيين وتكوين حكومة وطنية تعبر عن مصالح البلاد، بينما هدد أحمد المهدي باستخدام القوة في حال تعذر الحل السياسي، ثم اصطف عبد الرحمن نقد الله سكرتير الحزب إلى خطاب التصعيد وهدد بجلب المزيد من الأنصار.
استقالة سر الختم الخليفة
وتكللت تلك الاحتجاجات بدفع رئيس الوزراء الانتقالي سر الختم الخليفة للاستقالة في الثامن عشر من فبراير 1966 وحدث فراغ دستوري في غياب الحكومة، حيث لم تتكون إلا بعد ستة أيام (23 فبراير من نفس العام ليعود مرة أخرى سر الختم الخليفة رئيساً للوزراء، وخلت الحكومة هذه المرة من الحزب الشيوعي وجبهة الهيئات وممثلي العمال والمزارعين وتركت أربع وزارات شاغرة ثلاث منها لحزب الشعب وواحدة للحزب الشيوعي، ولم يلبث أن عاد الشيوعيون إلى الوزارة تحت لافتة التجمع الاشتراكي الديمقراطي والذي شمل حزب الشعب وجبهة الهيئات بجانب المزارعين والعمال، وكان الشيوعيون يرفضون قيام الانتخابات في توقيتها، في حين ترى بقية الأحزاب الأخرى ضرورة قيامها، غير أن رئيس الوزراء سر الختم الخليفة يرى أن الوقت غير مناسب لقيامها بحجة الأوضاع الأمنية في جنوب البلاد وعدد النازحين منهم، وهو ما أثار غضب كل من حزب الأمة والوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي، ثم انضم إليها الحزب الاشتراكي الإسلامي والإخوان المسلمون، وأعلنوا تصميمهم على قيام الانتخابات في موعدها، بينما فشل رئيس الوزراء سر الختم الخليفة في إقناع الأحزاب الداعية لقيام الانتخابات بضرورة تأجيلها نسبة لضعف السجل الانتخابي بجنوب السودان بسسب الأوضاع هناك، وعليه أصدر مجلس السيادة قراراً بتاريخ 7 أبريل بقيام الانتخابات في موعدها في 21 أبريل 1965 لقيام جمعية تأسيسية. وبالفعل تم إجراؤها وقاطعها حزب الشعب الديمقراطي وشارك فيها الحزب الشيوعي رغم معارضته لها .
حصاد الفترة الانتقالية
قامت الحكومة الانتقالية بإلغاء بعض القوانين وإلغاء المواد المقيدة للحريات ومنها قانون للعزل السياسي وآخر للثراء الحرام وكان حصاد الانتخابات هو حصول حزب الأمة على 92 دائرة ولم يحصل على أي دائرة من دوائر الخريجين. بينما حصل الحزب الشيوعي على ثماني دوائر من دوائر الخريجين بالإضافة إلى ثلاث دوائر مستقلين من أنصار الحزب الشيوعي. وحصلت جبهة الميثاق الإسلامي على مقعدين وكذلك الحزب الوطني الاتحادي .
ولم تدم الحكومة الائتلافية طويلاً والتي جاءت بعد انتخابات أبريل 1965م حيث استمرت من يونيو 1965 حتى 25 يوليو 1966م، وذلك عندما سحبت الثقة من حكومة محمد أحمد محجوب لفتح الأبواب للصادق المهدي لرئاسة الوزراء، وكان حينها إبان الانتخابات دون السن القانونية لعضوية البرلمان. وحين أتمها أخليت له دائرة من دوائر الأنصار حتى يتمكن من دخول البرلمان. وشكلت الحكومة برئاسة الصادق المهدي من الجناح المؤيد له في حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي. واستمر الصادق المهدي رئيساً للوزراء حتى (يوليو1966 إلى مايو1967). بينما عاد المحجوب للوزارة مرة ثانية، وتمت المناداة بتكوين حكومة قومية شارك فيها حزب الشعب الديمقراطي، الأمر الذي ينفي قوميتها، حتى قامت الانتخابات البرلمانية في أبريل 1968، حيث أسفرت عن حكومة ائتلافية بين الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة جناح الأمام الهادي). استمرت هذه الحكومة حتى أطاح بها انقلاب النميري في 1969 .
حكومة أبريل 1985 الانتقالية
في الخامس والعشرين من مايو 1969 استولى اللواء نميري على السلطة في البلاد مطيحاً بالنظام الديمقراطي الحزبي المكون من تحالف ضم كلاً من الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة جناح الإمام الهادي.
بيد أن نظام مايو الذي اعتمد على القبضة الأمنية القوية وعلى تنظيم سياسي فوقي وحيد هو الاتحاد الاشتراكي، لم يفلح في المضي بالبلاد نحو إحداث تحول سياسي اقتصادي حيث كان الرئيس نميري هو الذي يعين الوزراء والمسؤولين ويقوم بعزلهم دون شورى، مما قاد البلاد إلى أزمات متعددة على الصعيد الاقتصادي والأمني، الأمر الذي أحدث تململاً كبيراً لدى الجماهير تبلور في إشعال شرارة الثورة الأولى في السادس والعشرين من مارس 1985 ودخلت البلاد في عصيان شامل تعطلت فيه المؤسسات العامة وبعض الخاصة وغابت خدمات الكهرباء، وعندما وصلت الأزمة إلى ذروتها تم تكوين جسم نقابي وحزبي موحد في مساء الجمعة (5) أبريل وتم التوقيع على ميثاق “تجمع القوى الوطنية لإنقاذ الوطن” في منزل المحامي محمد سعيد عبد اللطيف. ووقع على ميثاق الانتفاضة 3 أحزاب هي الامة والاتحادي والشيوعي و6 نقابات هي الأطباء والمحامون والصيارفة والمهندسون وأساتذة جامعة الخرطوم وموظفو المصارف وموظفو التأمينات الاجتماعية، وإبان الاحتجاجات العارمة حاول التنظيم السياسي الحاكم في الثاني من أبريل تسيير موكب مؤيد للنظام أطلقوا عليه موكب الردع بيد أنه كان عدد المشاركين فيه ضعيفاً جداً رغم محاولات الحشد .
الثورة والمخاض السياسي
وتوجت ثورة الجماهير في السادس من أبريل 1985 بانحياز القوات المسلحة لثورة الجماهير فاستولت على السلطة بقيادة قائد الجيش الفريق محمد حسن سوار الذهب لتعلن نهاية نظام الرئيس نميري بعد حكم قابض استمر ستة عشر عاماً، في التاسع من أبريل تم تكوين المجلس العسكري الانتقالي بعضوية ثلاثة عشر ضابطاً كما تم إعلان حكومة مدنية برئاسة د. الجزولي دفع الله في الثاني والعشرين من أبريل الذي كان متزعماً إضراب الأطباء وناشط في معارضة النظام إبان حراك الانتفاضة، أي أن التعيين تم في أقل من أسبوعين حيث لم تكن هناك صراعات أو شد وجذب في الاتفاق على تكوين الحكومة المدينة الذي قاده تجمع الانتفاضة، وتم الاتفاق أن يتولى المجلس العسكري التشريع على أن تتم إجازة أي قانون يصدر منه عبر جلسة مشتركة بينه وبين مجلس الوزراء المدني، بالرغم من أن ميثاق الانتفاضة الذي اتفق عليه تجمع النقابات والأحزاب قبل سقوط النظام كان يطالب بنسبة 40% من الهيئة التشريعية، غير أنه لم يتم قيام مجلس تشريعي وكان عوضاً عنه المجلس العسكري مع التوافق مع مجلس الوزراء على القوانين .
تلاقٍ وتقاطعات
يبدو من خلال هذا العرض المختصر للفترات الانتقالية ما بعد الاستقلال نلاحظ أن الفترة الانتقالية التي أعقبت عهد الحكم العسكري برئاسة الفريق إبراهيم عبود عقب انتفاضة ثورة أكتوبر الشعبية، أنه غلب عليها الصراع الحزبي الصاخب الأمر الذي دعا رئيس الوزراء الانتقالي للاستقالة بعد الضغوط الكبيرة التي مارسها حزب الأمة باستقطاب جماهيره ضدها باعتبار أن الحكومة يهيمن عليها الشيوعيون، حتى إن رئيس الوزراء كما ذكرنا سر الختم الخلفية استقال من منصبه ثم عاد مرة أخرى عبر حكومة جديدة، ولعل الملاحظ هنا في هذه الفترة الحالية وتلك الفترة السابقة هو أن حزب الأمة الذي قاد المعارضة القوية في الفترة الانتقالية آنذاك ضد الشيوعيين، تحالف معهم هذه المرة عبر تحالف عريض ضم أحزاباً وتيارات سياسية وحركات مسلحة باسم قوى الحرية والتغيير وقبلها قوى نداء السودان، كما يلاحظ أن الفترة الحالية لم يشهد فيها التكوين الوزاري معارضة حزبية من الأحزاب الكبرى، كذلك من أوجه التباين بين الفترة الانتقالية بعد ثورة أكتوبر وثورة ديسمير 1918 هو أن تكوين حكومة أكتوبر غلب عليه الطابع الحزبي، بينما ثورة ديسمبر معايير الكفاءة والخبرات، وإذا كانت فترة أكتوبر الانتقالية شهدت حشداً جماهيرياً من حزب الأمة لفرض وجهة نظره، فإن الفترة الحالية قبل تكوين الحكومة المدنية شهدت حشوداً من تيارات مختلفة سياسية وأهلية لإبراز وجهة نظرها في نظام الحكم القادم، وكلها لم تكن على وفاق إيدلوجي مع الحرية والتغيير التحالف الذي قاد الثورة الشعبية .
كذلك من وجوه الاختلاف أيضاً أن الحزب الشيوعي كان جزءاً من الحكومة الانتقالية من أكتوبر التي تم حلها ثم كانت له واجهات في الحكومة التي تلتها في حين انه تحفظ على مخرجات الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية التي جاءت بها قوى الحرية والتغيير في الفترة الحالية ورفض على إثرها أي مشاركة في مستويات الحكم المختلفة عدا الحكم الاتحادي.
أيضاً من أوجه الاختلاف بين الفترتين أن ميثاق الانتفاضة في أكتوبر شمل بند العزل السياسي بينما لم يتم تضمينه في وثيقة الحرية والتغيير في ثورة ديسمبر الحالية.
أما الفترة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة أبريل التي أطاحت بالحكم المايوي برئاسة جعفر نميري فمن الملاحظ أن تكوين الحكومة المدنية تم التواقف حولها في ثلاثة عشر يوماً فقط رغم أن التجمع النقابي حاضن الانتفاضة لم يتم تكوينه إلا قبل يوم واحد من انحياز الجيش للثورة والاستيلاء على السلطة في السادس من أبريل، في حين أنها استمرت حوالي تسعة أشهر بعد انتفاضة ديسمير الحالية، كذلك من الملاحظ أن صلاحية المجلس العسكري والمدني تم الاتقاق عليها سريعاً من جانب قوى الانتفاضة في أبريل 1985 رغم مخالفتها لأحد بنود ميثاق الانتفاضة فيما يختص بالتشريع .
أيضاً من أوجه الاختلاف بين الفترتين مارس وأبريل هو أنه في الفترة الانتقالية بعد انتفاضة أبريل طالبت قوى الانتفاضة والحكومة الانتقالية القاهرة بتسليم الرئيس المخلوع نميري لكنها لم تستجب، بيد أن الحكومة لم تعقد له محاكمة غيابية حتى إجراء الانتخابات في 1986 .
لكن ربما كان الفارق الكبير بين ثورة ديسمبر 1918 وثورتي أبريل 1985 وأكتوبر 1964 هو اعتصام المتظاهرين في ثورة ديسمبر 1918 وجلهم من الشباب بالقرب من ساحة القيادة العامة مما عجل بإسقاط النظام .
الدروس المستفادة
لعل أهم الدروس الإيجابية المستفادة هي التي قدمتها حكومة الفترة الانتقالية بعد انتفاضة أبريل 1985، حيث تميزت بالانسجام بين المكون المدني والعسكري ولم يكن هناك شد وجذب في إجازة القوانين ولا تلاسنات بين الطرفين، وتفهم المجلس العسكري أهداف الثورة الشعبية واحترم إرادة الجماهير التي صنعتها ولم يبد تعاطفاً مع فلول النظام السابق أو محاكمتهم وجرت في كنفه انتخابات حرة ونزيهة حسبت له في التاريخ السياسي في السودان.

هذا المقال "فترات الحكم الانتقالية في السودان…. من يستفيد من أخطاء الماضي؟" مقتبس من موقع (السودان اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو السودان اليوم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق