سيف الله حسين الرواشدة الممر الضيق لتوازن الدولة مع المجتمع

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نهرب من كابوس الفوضى الى ما توفره الدولة من أمن ونظام، وقد انتشرت مقارنات هذه الثنائية في منطقتنا خلال السنوات الماضية، فإما الدولة التي ينخرها الفساد وإما الفوضى التي لا تبقي ولا تذر، وقليلة هي المجتمعات التي جنحت الي خيار الإصلاح، لتكسب حريتها وتستخلص حقوقها في ظل دولة قوية ومجتمع قوي، وهذا توازن دقيق يحتاج عملاً مستمراً، فكلما ازدادت قوة الدولة كان على المجتمع أن يشتد في مراقبتها وكبح جماحها حتى يحفظ هذا التوازن المنشود، وكأننا نسير في ممر ضيق يعبر بنا بين نارين، فلا نريد دولة قوية تقمع مواطنيها، فتخلق مجتمعًا ضعيفاً لا تكترث له، مسلوب الحرية والحقوق، ولا نريد كذلك مجتمعًا أقوى من دولته تستقوي بعض مكوناته على الدولة فيحرمها إرساء النظام وضمان الامن والاستقرار لصالح مكاسب فئوية ومناطقية.

بعنوان "الممر الضيق" الدولة والمجتمعات ومصائر الحريات، قدم "دارون آسميغلو" و "جيمس روبينسون" كتابهما، بحثًا عن أشكال بناء الدول وعلاقاتها المختلفة مع المجتمع، واختلاف نتائج هذه العلاقات المختلفة بالنسبة للحريات الشخصية والجماعية، والرفاه الاقتصادي، وقوة الدولة عمومًا، وقد استعارا تسمية الدولة بالوحش الأسطوري "الليفياثان" من "توماس هوبس" السياسي الإنجليزي الذي عرف الدولة علي أنها الحل الأمثل لضمان حياة طويلة وسعيدة ومرفهة للأفراد والجماعات، بقدرتها على حماية الناس وحل النزاعات والأزمات، وفرض النظام والقانون العادل لتحفيز الاستثمار والتجارة ليتحقق الازدهار المالي والاقتصادي.

يستعرض الكتاب في مقدمته أحوال المجتمعات السياسية والأمنية والاقتصادية في غياب الدولة وحضورها، ويفصل في التغيرات التي تحصل في بنية هذه المجتمعات في المراحل الانتقالية بين الدولة واللادولة، وقدرة الدول الناشئة على تغيير العادات والتقاليد والبنية المجتمعية والممارسات الاقتصادية، التي تمثل كلها برأي الكتاب أشكالاً بسيطة في تركيبها، عميقة في تاريخها، أوجدتها المجتمعات واتفقت عليها لتوجد حالة دنيا من السيطرة في مرحلة اللادولة.

ثم ينتقل الكتاب فيقسم الدولة "الوحش" الى مقيدة و غير مقيدة "مستبدة" وأخيرًا دولة ورقية، المقيدة هي الدولة القوية التي يقيدها مجتمع قوي فاعل ونشط، والمستبدة هي الدولة القوية مع مجتمع ضعيف لا يملك قوة مراقبة الدولة ومحاسبتها فيكون رهينة مزاج سياساتها غير مبالٍ في الشأن العام، وأخيرًا الدولة الورقية ولها نوعان حسب قوة مجتمعها وفي كلا الحالتين سمتها الضعف، فإما أن يكون المجتمع قويا فيستقوي على الدولة ويسلبها بعض ارادتها وأدواتها لصالح بعض فئاته، وإما ان يكون المجتمع ضعيفًا، يسمح للدولة بممارسة القمع في الداخل والانصياع لكل ضغوطات الخارج.

يستمر الكتاب في المقارنات الاقتصادية بين الدولة المقيدة والقمعية، وكلاهما يوفران النظام والامن اللازمين للازدهار المالي والتجاري، لكن الأولى تحافظ على التنافسية والحافز الشخصي للاستثمار وزيادة الأرباح ومراقبة المجتمع على سير السياسات الاقتصادية العامة، أما الثانية فينهار اقتصادها ولو بعد ازدهار مؤقت بسبب التوسع الضريبي والفساد وزبائنية الولاء والتنفيعات الشخصية التي لا يقابلها تمثيل وتمكين شعبي يعطي القوانين والسياسات والتوجهات الاقتصادية شرعية شعبية.

ثم يمضي الكتاب في فكرة ضعف الدولة القمعية وانهيارها ولو بعد حين بسبب ضعف مجتمعها (الدي عملت هي على سلبه أدوات قوته) وفي المقابل قوة الدولة المقيدة المستمدة من قوة مجتمعها ونشاطه وفعاليته، فالمجتمع القوي المنخرط في رسم السياسات العامة ومراقبة النشاطات الحكومية، هو الوسيلة الوحيدة الفاعلة لكسب حرية الافراد والجماعات وضمان قوة الدولة في آن واحد.

الدولة هي الضامن لحياة كريمة للأفراد والمجتمعات، وهي أيضا نتيجة اتفاق بين الحاكم والمحكومين، يتخلى فيه المجتمع عن جزء من ارادته وحريته للدولة لتضمن له في المقابل عناصر الحياة الكريمة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وهذا يوجب مجتمعا نشطًا ومتيقظًا ليراقب الدولة ويضمن ايفاءها بشروط الاتفاق، لينتج عن كل ما سبق "مشروع" للأمة تنسجم فيه الدولة مع المجتمع للوصول لغاية واحدة، بهذا فقط نقف في الممر الضيق الضامن للحريات بين مجتمع قوي ودولة قوية.

المصدر
وكالة عمون الاخبارية

أخبار ذات صلة

0 تعليق