هل يفشل الزواج حينما تختلف القيم بين الطرفين؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

لا يمكن لأي شخص يرغب في الدخول إلى دائرة الزواج وخوض تجربة، أن يكون طرفاً ضمن شراكة من المفترض أنها ستدوم لعشرات السنوات، أن يتسنى له الكشف عن مدى التوافق القيمي والأخلاقي بينه وبين شريك حياته إذا ما اقترب من ذلك الإنسان وتعايش معه وخاض تجارب عديدة للكشف عن هوية ذلك الشخص كيف يفكر؟، كيف يتصرف؟، كيف يشعر حيال الأشياء وفي المواقف المختلفة؟، فمثل هذه السلوكيات وتلك الأفكار هي حصيلة الأخلاق والقيم التي يتربى عليها الإنسان من الصغر فهي نتاج بيئته، لذلك فمن المحتمل أن يجد المرء نفسه بعد تفكير طويل واختيار لشكل وطبيعة شريكه في الحياة الزوجية أن المسافة واسعة بينهما من حيث القيم والأخلاقيات، فما تعلمه في حياته وتربى عليه لا يشبه ما تعلمه وتربى عليه الطرف الآخر، ومن هنا يحدث الخلاف والاختلاف بين الطرفين في مؤسسة الزواج، فالبعض يستطيع أن يتجاوز مثل هذا الاختلاف وأن يقرب المسافة بتقريب وجهات النظر، في حين يعاني البعض من تلك المسافة التي ترفض الانصياع لكل المحاولات، فكيف يتمكن المرء من تحديد القيم والأخلاق في شريك حياته قبل أن يدخل دائرة الزواج؟، وهل يمكن للقيم أن تنكشف وتتم معرفتها واختبارها قبل الارتباط؟، وكيف يكون شكل الزواج حينما تختلف القيم وتجتمع المصالح؟.

قسمة نصيب

ورأت أريج نويصر -معلمة رياض أطفال- أن الحياة الزوجية -مع الأسف- في مجتمعاتنا تسير وفق القسمة والنصيب، لذلك فهي أقرب إلى المفاجآت، فلا يمكن الكشف عن قيم وأخلاقيات الطرف الآخر في مؤسسة الزواج إلاّ بعد خوض الحياة الزوجية، وربما أحياناً لا يتم معرفة الشريك على حقيقته إلاّ بعد مجيء الأبناء وهنا تكمن المشكلة الكبيرة، مؤكدةً على أن التوافق الأخلاقي بين الزوجين من أهم الأمور التي يجب أن تبنى عليها الحياة الزوجية، ولكن -مع الأسف- أن الكثير من الزواجات تسير وتتعايش مع مبدأ الاختلاف، فهناك زوج مخادع تستمر معه سنوات طويلة زوجة صادقة، وهناك زوج متعلم ومتفتح ومتحضر ويتعايش مع زوجة غير متعلمة ومحدودة الأفق، مبينةً أن الحياة الزوجية لدى العديد من الأفراد هي وليد الصدفة، فإن كان حظ الشخص جيد حصل على ما يتوافق معه في القيم، في حين إذا اختلفت الأخلاقيات فتلك هي قسمته ومن هنا يفشل الزواج!.

حياة باردة

وأوضحت هديل عبدالله -موظفة إدارية في قطاع صحي- أنها تزوجت من رجل لا يتفق معها في القيم والأخلاقيات والرؤية في الحياة، فللأسف تعاني من تدني المستوى الأخلاقي من قبل زوجها وانعدام شعوره بالمسؤولية، ففي الوقت التي تؤمن هي بأهمية العطاء للأسرة وتبذل الكثير من أجل إسعاد أسرتها ووالديها وجدت بأن زوجها منعدم الإحساس مع أسرته، فيبخل بتقديم أي نوع من المساعدات ويرى أن مثل هذه المواقف في الحياة مضيعة للوقت، كما أن زوجها مادي جداً في حين أنها لا تتوقف أبداً أمام الماديات حتى نشأ الاختلاف القيمي بينهما، مبينةً أن الحياة قد تستمر في مثل هذه الاختلافات بين الزوجين بسبب وجود الأبناء، ولكن -مع الأسف- ينعدم التوافق الروحي والعاطفي وتصبح الحياة باردة، لذلك من الأفضل أن يدقق الرجل والمرأة على موضوع التوافق في القيم والأخلاق قبل الدخول إلى مؤسسة الزواج؛ لأن في ذلك ضمان لاستقرار ونجاح الزواج، مؤكدةً على أن الإشكالية الكبيرة في مثل هذا الاختلاف أن يتأثر الطرف الإيجابي بالطرف السلبي فيأخذ عنه صفات السلبية وانعدام القيم وهنا تكمن الخطورة.

اتفاق وتوافق

وتحدث د.محمد بن مترك القحطاني -بروفيسور علم النفس- قائلاً: إن القيم يكتسبها النسان من المجتمع ووالديه والأسرة والأصدقاء والمدرسة ومن تفاعله مع الآخرين المحيطين به، فهي تنمو مع الشخص كلما تقدم في السن، وتتغير القيم باختلاف تغير الفكر وطريقة حياته وأسلوبه في المعيشة، فحينما يحدث الارتباط بين الزوجين فمن الطبيعي جداً أن يكون هناك اختلاف في القيم والأخلاق، والسبب أن كلاهما عاش في بيئة مختلفة، ففي الغالب يكون الزوج من بيئة تختلف عن البيئة التي نشأت فيها الزوجة حتى إن كانا أقارب، فطريقة التربية وطريقة التوجيه والإرشاد تختلف في واقع الزوج عن تلك التي تلقتها الزوجة، وهذا طبيعي بسبب اختلاف البيئات والكيفية التي تتكون منها شخصية الفرد وطريقة تفكيره وتعاطيه مع الحياة، مشيراً إلى أن الإشكالية الحقيقية تكمن في بداية الحياة بين الزوجين والتي عادة ما تأخذ الطابع الوردي بسبب أن فترة الخطوبة بين الطرفين لا تكون كافية لتوضيح القيم والأخلاق لكل طرف، فيحدث الغموض في بداية الحياة الزوجية فكلاهما لا يظهر حقيقة القيم التي يؤمن بها، وتوجهاته، وطريقة تفكيره بشكل واضح للطرف الآخر خلال فترة الخطبة أو بداية الزواج، لذلك فبعد مرور فترة من الزمن في الحياة الزوجية تبدأ تخرج القيم واختلافها بين الطرفين، وتصبح واضحة بشكل أكبر، لذلك فعلماء النفس وعلماء التربية يرون أنه كلما كان هناك اتفاق بين الزوج والزوجة في القيم والأخلاق كان الزواج ناجحاً بشكل أكبر فتتحقق السعادة؛ لأن الاتفاق في النظرة لمفهوم القيم والأخلاق واحد، فيحدث التناسق ويخلق التفاهم الكبير بينهما والهدوء في الحياة.

قيمي وأخلاقي

وأوضح د.القحطاني أن الاختلاف قد يحدث بين الزوجين في القيم والأخلاق، وهذا موجود في الكثير من الأسر، فهناك من الأزواج من يعطي للوقت أهمية بالغة في حين لا تعطي الزوجة لذلك أهمية كبرى إنما توجه الاهتمام الأكبر إلى الحب والرعاية للأطفال، وربما يرى الزوج أن تربية الأبناء على الشدة والحزم لها أهمية كبيرة في الحياة، بينما تختلف الزوجة معه في التعاطي مع الأبناء بأسلوب تربية يبعد عن تلك القيمة، فالقيم عادة ما يتم اكتسابها من الدين والعقل والأسرة فيحدث الاختلاف بين الزوجين، ومن منطلق هذا الاختلاف تتولد المشاكل الزوجية، لذلك فأحياناً تتم السيطرة على مثل هذه المشاكل وتسير الحياة بينهما، وأحياناً يصعب السيطرة عليها فتؤدي إلى الانفصال، ذاكراً أنه في حال وقوع الانفصال يكون السبب هو اختلاف قيمي وأخلاقي شديد بين الزوجين وعدم تنازل أحدهما عن بعض الأمور فتحدث المشاكل ويقع الانفصال، لكن حينما يستطيع كلا الطرفين التوفيق بين قيمهما وتوجهاتهما ويقدما تنازلات بشكل لا تضر بمصالح الآخر ومصالح الأسرة، فالحياة من الممكن أن تسير بشكل أفضل مع وجود العلاج الضروري لمثل هذه المشاكل.

أكثر استقراراً

وأكد د.القحطاني على أنه لا يحق للزوجة تغيير قيم الزوج وكذلك الزوج لا يحق له تغيير قيم الزوجة، لكن كلاهما لهما الحق بأن يقربا بين وجهات النظر ويتفاهما مع بعض ويكون هناك شيء من التسامح للمحافظة على ذلك الزواج، مضيفاً أن اختلاف القيم والأخلاق بين الزوجين وارد جداً، فكلما حدث التوافق أصبحت الحياة أكثر استقراراً فتنجح مثل هذه الأسرة، مبيناً أن من أهم الحلول أن يبدأ الإنسان منذ البداية في التفكير في نسب التوافق في القيم قبل الزواج، ويحدث ذلك بالبحث عن شريك حياة متسق معه في القيم والأخلاق حتى يضمن حياة هادئة واستمرارية الزواج ويضمن عدم الانفصال، فيبذل الأسباب ثم يتوكل على الله -سبحانه-، موضحاً أنه من الأفضل أن يكون هناك توافق بين الزوجين، وأن يكون هناك فترة خطبة كافية لفهم الطرفين لبعضهما لبعض والتأكد من التوافق في القيم والأخلاق قبل الزواج، وإن حدث الاختلاف بين الزوجين فمن الأفضل ألا يكون هناك تسرع في اتخاذ القرارات والانفصال، إنما من المهم بذل الجهد في توافق القيم لمصلحة الأبناء والأسرة.

b5e422c93b.jpg فترة الخطوبة قد لا تكون كافية لإيضاح أخلاق وقيم كل طرف
97e187cd44.jpg د.محمد القحطاني

المصدر
جريدة الرياض

أخبار ذات صلة

0 تعليق